ardanlendeelitkufaruessvtr

طيور جارحة

بقلم نهى الصراف تشرين2/نوفمبر 26, 2016 492


طيور جارحة
نهى الصراف
أكثر من مرة صادفت إحدى الأمهات حديثة الولادة وهي تحمل طفلها وتحتضنه بيديها بحرص شديد وكأنه قطعة من الكريستال تخشى أن يمسّها سوء أو تخدشها نسمة هواء تمر مصادفة بجانبه. وبين الجد والهزل ترفض هذه الأم بإصرار شديد أن يحمل شخص آخر طفلها حتى وإن كان والده، لاعتقادها بأنه سيفلته من يديه ليقع على الأرض ويتهشم إلى قطع صغيرة.
هذا الحرص المبالغ فيه على الطفل منذ لحظة ولادته وحتى بلوغه سن الرشد، وربما أبعد من ذلك بكثير، أصبح ظاهرة أسرية واسعة الانتشار وقد نجد من بين الآباء من هو أشد حرصا وخوفا على الطفل من أمه. ولعل علماء النفس التربوي قد تطرقوا مرارا إلى هذه الظاهرة غير الصحية، حيث حملت أبحاثهم في هذا المجال أوصافا تدلّل على هؤلاء الذين وصفتهم بالآباء “الحوامين” أو “الهليكوبتر”، الذين يفرطون في الاهتمام بأطفالهم ويبالغون في العناية بهم وتقصي أخبارهم ورصد سلوكهم، وكأنهم طيور جارحة تحوم حول أعشاشها خوفا من أي خطر قد يطال الصغار، فيتحكمون ويسيطرون على حياة أبنائهم بصورة مزعجة.
وفي حين تحذر أغلب نتائج الأبحاث في هذا الإطار، من أن تمادي الأهل في سلوكهم هذا، من شأنه تحويل حياة الأبناء إلى جحيم، حيث يطوّر الأبناء سلسلة من الأمراض النفسية أولها القلق وليس آخرها الاكتئاب، بسبب الضغوط التي تمارس عليهم في المنزل وافتقادهم إلى التصرف بتلقائية وحرمانهم من حقهم في الاختيار حتى في أبسط أمور حياتهم اليومية، إذ أن الآباء من هذا النوع قد يستمرون في “الطيران” حول أعشاشهم حتى بعد أن يتجاوز صغارهم مرحلة الطفولة، فالمراهقة وربما إلى أبعد من ذلك بكثير.
أما الطفل السويسري ماركو ذو السبعة أعوام، الذي تداولت أخباره صحف بلاده الأسبوع الماضي، فقد أوصى متخصصون بضرورة التحاقه بمدرسة خاصة بدل المدارس الحكومية التي ينتظم فيها أقرانه، بعد أن أفرط والداه في تدليله وحمايته وجعلاه غير قادر على القيام بأي شيء، مهما كان بسيطا، بنفسه.
وبحسب الطبيب النفسي الذي يتابع حالة الطفل، فإن الإفراط في الحماية قد أفسد الطفل إلى حد كبير وجعله فريسة لمشكلات نفسية، إضافة إلى مشكلات أكاديمية واجتماعية وصعوبة في التكيّف مع محيطه والاندماج مع أقرانه في مثل سنه واللعب معهم.
وشدد متخصصون على أن الخطأ الكبير الذي وقع فيه والدا ماركو هو أنهما “أزالا جميع العقبات من طريقه”؛ وهذا يعني بأنه سيكون معرضا للفشل مع أي خطوة قد يخطوها في حياته المستقبلية، لعجزه عن التعامل مع الصعوبات أو لعدم اعتياده على ذلك، ولهذا فإن حياة العزلة والتدليل المفرط التي تلقاها ستمنعه من أن يتأقلم مع بيئة المدرسة العادية وأن يخوض التجربة بنفسه ومن دون مساعدة، الأمر الذي سيجبر والديه على الانقياد لأمر السلطات، وإرساله إلى مدرسة خاصة تتعامل مع الأطفال الذين يعانون من صعوبات في التكيف.
الغريب في الأمر أن والدي الطفل اعترضا بشدة على قرار السلطات المحلية، وقد تعللا بأن المدرسة الخاصة ستعرقل نموه النفسي وتمنعه من مواصلة حياته كطفل طبيعي! فالطيور مازالت مصرّة على أن تحوم حول عش وحيدها دون أن تعلم أنها قد تجرحه بجناحيها عن غير قصد.
كاتبة عراقية مقيمة في لندن



باهر/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

one

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It