ardanlendeelitkufaruessvtr

حديث الحليب غير المسفوح

 

حديث الحليب غير المسفوح

كرم نعمة

لا أتوقع أن يأتي يوم يصاب فيه حليب الأبقار بالكساد إلى حد نشاهد جريمة الحليب المسفوح في الأنهار يرتكبها المزارعون احتجاجا على الكساد.
لا استغناء عن الحليب الحيواني
لم نفتقد حديث الحليب منذ أن كنا صغارا، لكن الحديث يتخذ طعما دسما على موائد رمضان.
في دول المغرب العربي يكون قدح الحليب أساس الإفطار، بينما يعادله في المشرق العربي قدح اللبن، ويشتركان معا بحبات التمر.
الحليب قصة تاريخية مستمرة مع البشرية ولا تنتهي اليوم في الحقول الدنماركية والفرنسية والسويسرية والبريطانية والألمانية، حيث يعامل البقر بدلال قل نظيره بين الحيوانات!
وصل الحال ببعض الحقول إلى إطلاق سمفونيات موسيقية على مسامع الأبقار وفق مزاعم أن تلك الموسيقى المعبرة ستزيد إنتاج ونوعية الحليب، فمن قال إن الأبقار لا تسمع الموسيقى.
الحليب بقي حيوانيا، وما ألذه، إلا عند أولئك المساكين الذين تعاني أمعاؤهم من فوبيا الحليب. واليوم يراد أن يكسر هذا الامتياز البقري بحليب نباتي، تماما مثلما يُكسر الدولار واليورو بالعملات الرقمية.
العلامات التجارية من مختلف المناشئ تقدم مغريات معلبة لحليبها النباتي من أجل حرف الأذواق عن تاريخها السوي. يمكن أن تجد في المتاجر اليوم رفوفا في قمة الأناقة والترتيب والألوان لقناني الحليب النباتي لجذب العيون إليها. بينما يبقى الحليب البقري مكدسا في علب بلاستيكية وبصفوف طويلة وبلا عناية تذكر، فالحاجة إليه لم تخفت طلبا ولا تتطلب المزيد من الإعلان. الحليب حاجة يومية مستمرة.
في بريطانيا ما زالت عربة الحليب تدور على المنازل فجر كل يوم لتترك القناني أمام الأبواب ولا يجرؤ الموزع على طرقها. إنه تقليد تاريخي مقدس للحليب، بيد أن الحليب النباتي يريد كسر هذه القدسية سواء سمعت أم لم تسمع الأبقار سمفونيات موزارت!
آخر إعلانات الحليب النباتي تُقدم توني بيترسون الرئيس التنفيذي للعلامة التجارية السويدية “أوتلي” مصنعة حليب الشوفان، وهو يعزف على بيانو كهربائي في أحد الحقول ويغني “لا للبقر”!
إعلان غريب لتغيير ذائقة الناس، مثله مثل إعلانات اللحوم المصنعة في المختبرات.
اليوم يتقدم حليب الشوفان في متاجر التجزئة بعد حليب اللوز، متفوقا على فول الصويا الذي كانت له شعبية في وقت مضى. لتغيير ذائقة الناس بمعلومات طبية مشكوك بها. بيد أن أطباء وأخصائيين في علوم التغذية يستبعدون مقارنة الفائدة التي يقدمها الحليب النباتي مقارنة بالحيواني.
ومع أن الأسئلة مستمرة حول القيمة الغذائية للألبان النباتية وافتقارها إلى العناصر الغذائية الأساسية الموجودة في الحليب، فإن الإعلانات المغرية مستمرة للضغط علينا لتغيير أمزجتنا الصباحية، فيما تستجيب لها المتاجر بعناية البائع المغري لعين الشاري.
مع كل هذا الاهتمام بالحليب النباتي كمشروب جديد على مواد الشاي والقهوة. لا أتوقع أن يأتي يوم يصاب فيه حليب الأبقار بالكساد إلى حد نشاهد جريمة الحليب المسفوح في الأنهار يرتكبها المزارعون احتجاجا على الكساد.
كاتب عراقي مقيم في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It