ardanlendeelitkufaruessvtr

الاستثمار في الشعوذة

بقلم حكيم مرزوقي حزيران/يونيو 08, 2021 216
الاستثمار في الشعوذة الناس يقبلون هنا على كل شيء بنفس الحماسة فتكتظ دور العبادة كما تكتظ دور الثقافة والملاعب وعيادات الشعوذة والمراكب المتهالكة التي أمست توابيت تمخر عباب البحر. فقدان البوصلة كشف مؤخرا، تقرير مصور بطريقة الكاميرا الخفية بثته إحدى المحطات التلفزيونية الخاصة في تونس، عن أغرب وأحدث عملية شعوذة واحتيال تتعلق بمعالجة بديلة وأكثر نجاعة لوباء كورونا وأمراض أخرى دون تطعيمات ولا فحوصات ولا من يحزنون.. المستحضر الدوائي المزعوم عبارة عن ثلاث عبوات بلاستيكية صغيرة الحجم للاستهلاك الفموي، وذات ألوان مختلفة (زرقاء، صفراء، وبيضاء شفافة) تقتنيها، حصرا، من إحدى عيادتي أحد المتطببين: إما في الحي الشعبي للضاحية الجنوبية للعاصمة أو في الحي الميسور و”الراقي” للضاحية الشمالية أي أن الدجل لا يفرق في ضحاياه بين فقير وغني، لا بل بين أناس عاديين وآخرين حاملين لشهادات جامعية كما يبدو واضحا من خلال هيئة وهندام وطريقة حديث كل من استجوبته الكاميرا بعد إخفاء وجهه. ومثل عملية لقاح كورونا، يتم التسجيل عبر الويب بمنتهى الدقة والنظام، ويُعطى الواحد رقم تسلسلي. وعند الحضور إلى هذا “المركز العلاجي” يلحظ الزائر حشدا كبيرا من طالبي هذا العقار السحري في قاعة انتظار شاسعة. وإذا تأخروا عليك قليلا فلا تقلق واعلم أن الأمر يتعلق بانتظار قدوم وجبة جديدة من المستحضر.. لا من بريطانيا ولا من الولايات المتحدة ولا من الصين طبعا، بل من المختبر الملاصق للعيادة، وهو عبارة عن غرفة متسخة تفوح منها الروائح الكريهة وتحتوي على مواقد تغلي فوقها قدور كبيرة من الماء تحلّ فيها أصباغ يقول عنها صاحبها إنها قادمة من المغرب ومناطق أخرى من الساحل الأفريقي. سعر هذه العبوات البلاستيكية الثلاث إلى جانب رسم الكشفية يقارب المئة دولار “فلا تغرنّك مجانية التطعيم المعتمدة من الدولة ولا تكن طماعا فتلقي بنفسك إلى التهلكة” يقول صاحب المشروع لمعد البرنامج التلفزيوني وقد بدا فوق أريكة فخمة يصدر الأوامر لمساعديه ويستعجلهم في طلبات مرضاه. الرقم التسلسلي الذي منح لمعد البرنامج في ساعات الصباح كان 75 أي أن ما يقارب 7400 دولار قد استقرت في خزينة هذا المتطبب والشمس لم تبلغ كبد السماء، وقبل أن يذهب للدوام في عيادته الثانية بالضاحية الشمالية.. واللهم لا حسد. يحدث هذا في بلد ضاقت حكوماته ذرعا بحاملي الشهادات العلمية، وتراكمت أزماته على قدر تراكم نجاحاته وإنجازاته، حتى فقد الكثير من أبنائه البوصلة وصاروا يركضون نحو جميع الاتجاهات في سبيل خلاص مجهول يحتار في تشخيصه أعتى علماء النفس. الناس يقبلون هنا على كل شيء بنفس الحماسة فتكتظ دور العبادة كما تكتظ دور الثقافة والملاعب وعيادات الشعوذة والمراكب المتهالكة التي أمست توابيت تمخر عباب البحر. جل ما نخشاه أن تكون بعض عيادات الشعوذة بمثابة المشاريع البديلة التي يقيمها أصحاب الشهادات العليا، وتقصدها نفس الفئة للبحث عن حلول لأزماتها. حكيم مرزوقي كاتب تونسي
قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It