ardanlendeelitkufaruessvtr

اشتراطات عباس الجديدة أحبطت جهود القاهرة

بقلم عدلي صادق حزيران/يونيو 15, 2021 168

 

اشتراطات عباس الجديدة أحبطت جهود القاهرة

مشكلة المفاهيم واختلاف القناعات تظل عقبة كأداء لاسيما عندما يعتقد كل طرف بأن له وصاية أبدية على السياسة وعلى الكيان الوطني وعلى المقاومة وعلى مصالح الناس وعلى الفضاء العام.
استمرار التفرد لا يصنع نظام الدولة
في اللحظة الأخيرة، وقبل وقت قصير من بدء اجتماعات الفصائل الفلسطينية مع الجانب المصري، وسط تفاؤل معزز بإرهاصاته، أرسل رئيس السلطة محمود عباس مندوبيه وحمّلهم رسالته وشروطه، ناكثا بوعوده قبل ساعات بتلبية الخطة المصرية للمصالحة وإعادة الإعمار وترميم النظام السياسي الفلسطيني. وكان العارفون بطبائع الرجل قد استغربوا موافقته على المقترحات المصرية التي تفتح الباب لحراك سياسي داخلي وتتضمن العودة إلى المسار الانتخابي.
ويبدو أن الرجل قد استأنس لإشارات من الإدارة الأميركية، فهم منها أن واشنطن ستساعده على الاستمرار في دوره المتفرّد، وفي الهيمنة على القرار الفلسطيني وفي بقاء الحال المزري للسلطة الفلسطينية على ما هو عليه.
ومن يطالع شروطه التي قدمها للجانب المصري، يعجب لكل هذا التجرؤ على الحقائق ولمحاولة تكريس العوار البيّن. فعباس يشترط على الفلسطينيين وعلى المصريين، ألا يعود إلى الانتخابات من النقطة التي انتهت إليها، أي إلى ما قبل إعلانه عن إلغاء العملية الانتخابية. فلديه شروط وآليات جديدة، لعلها هي التي يريد أن يتحاشى من خلالها نتائج ليست في صالح نظامه المهترئ. وبالطبع هو يريد أن يوسّع هامش الإقصاء، ويستبعد قوى اجتماعية وسياسية لها أوزانها في الشارع.
وبدا واضحا من خلال شروطه، أنه يتطيّر حتى الجنون من فكرة قيام إطار أو مجلس ليس في طوع بنانه. كل ذلك لأن الرئيس الأميركي جو بايدن، عاد إلى القول إنه يريد حل الدولتين، وكأنّ عباس يعرف معنى الدول وكيفية بنائها.
وكان المصريون قد توصلوا إلى حل للمعضلة الأكبر، وهي موافقة حماس على المتطلبات السياسية والأمنية التي تساعد على الشروع في إعادة إعمار غزة. لكن الجانب المصري يتحاشى دائما وضع النقاط على الحروف، على النحو الذي يبدو تدخلا علنيا في الشأن الداخلي الفلسطيني، على النحو الذي يتجاوز النصيحة. لذا كانوا ولا يزالون في غير وارد القول علنا لعباس، إن حكومته التي يطالب بتسليمها ملف إعادة الإعمار، ليس لها برنامج عمل وليست معتمدة من أي هيئة، ولا تلقى رضا الشعب الفلسطيني وثقته، وسيكون من أسوأ التدابير تسليمها ملف إعادة الإعمار، أو البدء في عملية لإعادة الإعمار بينما شخص واحد يمسك بمقاليد النظام الفلسطيني وسلطاته الثلاث.
كان الجانب المصري متفائلا ويتوقع أن المنقسمين الفلسطينيين على مدى أربعة عشر عاما، سوف يأتون إلى القاهرة، متناسين الكثير من العناصر الخلافية القديمة، وإذا بعباس يفاجئهم بعناصر خلافية جديدة. وبهذا التطوّر السلبي حل من جديد انعدام الثقة بين طرفي الانقسام الرئيسيين، وتجددت العلة القديمة التي أنتجت شكل وصياغات الدور الذي كان كل طرف يريده لنفسه.
لا يُحسد المصريون على ما يلقونه من مشقة، وإن كانوا يستحقون الثناء على ما يقومون به من جهد، وما يتحلّون به من صبر. فالبداية نفسها باتت مُعضلة، لأن مفاهيم الطرفين عن طبيعة العمل الوطني العام ورؤية كل منهما لكيفية الحل، تتباين وتتغير في الاتجاه الأسوأ مع تطور الحوادث وتنتج عوائق جديدة. وبدا أن الأسلوب الوحيد المتاح للجانب المصري، هو التوصل إلى صيغة لإدارة الأزمة لو استطاعوا شرح إشارات بايدن عن حل الدولتين، لكي يفهمها عباس على نحو صحيح، فلا يظنها تأييدا لدوره ومنهجية حكمه.
ويمكن للمصريين، بمساعدة اللجنة الدولية الرباعية المعنية بالتسوية، أن يشتغلوا على تنفيذ اتفاقيات سابقة، بين عباس وحماس، تم التوصل إليها في القاهرة نفسها. فلا يستطيع المصريون ولا غيرهم، البدء في عملية إعمار والتوجه إلى خطوة سياسية، دون إعادة النظام الفلسطيني إلى الحياة، بعد دفنه لسنوات. ولعل هذا يكون خيارا أسهل بعد التغلب على الكثير من العوائق التي صنعتها حماس قبل سنوات، واحتدم بسببها التعارض بين سلطتي رام الله وغزة. فلم يعد الأمر مثلما كان في السابق، عندما راهن كلُ من طرفي الخصومة، على إمكانية اندثار الطرف الآخر، أو انتهاء دوره.
ولأن لكل دور مصادر للتغذية تساعده على الاستمرار في الاشتراط؛ فشلت خلال السنوات الماضية كل محاولات التوصل إلى وفاق يؤمن للشعب الفلسطيني نظاما سياسيا يستوعب حيويته السياسية، ويأخذه إلى طريق العمل البنَّاء، بدل الطريق المعاكس، الذي يجدد السجال الداخلي في كل مرحلة، بينما المحتلون، مهما كانت أحوالهم السياسية الداخلية، يثابرون على تضييق الهوامش على الطرفين، وعلى الشعب الفلسطيني.
من موقع الاعتراف بالفشل في التوصل إلى وفاق يساعد على قيام نظام وطني يرعى عملية انتخابية ديمقراطية؛ جاء الإعلان عن مواعيد هذه العملية دون وجود نظام تلبي مؤسساته شروط وجوده. ولأن الإعلان جاء مقطوعا من شجرة، بمرسوم بقرار، وليس تتويجا لحوار داخلي يؤمن الحد الأدنى من النجاح؛ جرى الإلغاء أيضا بمرسوم بقرار، بالطريقة الفردية نفسها. وعلى الرغم من ذلك ارتضى الفلسطينيون الإعلان الأول، واستعدوا للعملية الانتخابية، وأحبطهم الإعلان الثاني عن الإلغاء، فعادوا إلى مطلب قيام النظام السياسي، وتنفيذ اتفاقات المصالحة، بدءا من إعادة العمل انتقاليا، بالمؤسسات التي قامت على نتائج انتخابات يناير 2006 لحين ظهور نتائج الانتخابات المقبلة.
لكن مشكلة المفاهيم، واختلاف القناعات تظل عقبة كأداء لاسيما عندما يعتقد كل طرف بأن له وصاية أبدية على السياسة وعلى الكيان الوطني، وعلى المقاومة وعلى مصالح الناس وعلى الفضاء العام. ذلك علما وأن الكيانات السياسية والنضالات ليست قابلة للاحتكار والوصاية، وإنما هي تفتح المجال للأدوار التي تكبر بالعمل البنّاء في أوقات السلم، وبالعمل المؤثر في أوقات الحرب، وتضمحل عندما يتردى الأداء في الحالتين.
بغير تردّد، يصح القول إن الطرف الذي تغاضى عن الحاجة الملحة والسريعة والأساسية لإجراء الانتخابات؛ هو الذي يتحمل المسؤولية عن الانسداد الراهن. وهو الذي ينتقل من فشل إلى فشل، وإن طاوعته الأطراف الأخرى في مقترح تشكيل حكومة ترعى عملية إعادة الإعمار، من وراء ظهر الإرادة الشعبية؛ فإن النتيجة ستجلب المزيد من التناقضات وستؤدي إلى تخريب السياسة والعمران.
لقد بات على الأطراف كلها أن تقتنع بأن الوسائل القديمة والمُجربة لم يعد لها طريق. ثم إن المجال الزمني المتاح لكل من رئيس السلطة وحماس بات محدودا جدا والقضية تتعرض لمخاطر غير مسبوقة. فإن غادر الأول هذه الدنيا، لا منظومة سياسية سيتركها، ستكون قادرة على منع انهيار منظومته الأمنية وانفلات الأمور، لكي يأخذ الإسرائيليون زمام المبادرة. أما حماس، فقد أدركت أن إسهامها في إفشال عملية الإعمار بمعاندة شروطها، فإنها تفتح الآفاق على حروب جديدة ومعاناة اجتماعية وإنسانية أفدح، وستصبح هي في مناخات أسوأ، طالما أن الناس لم تأخذ حقوقها.
ويخطئ من يظن، أن من يستطيع المقاومة، بمقدوره أن يمحو آلة التدمير العسكرية لدى إسرائيل، لذا أصبح لزاما على المقاومة، أن تعرف بأن سقفها هو الدفاع عن النفس في حال العدوان، وليس بمقدورها أن تكون البادئة بشن الحرب، بحكم ضرورة الربط بين العمل العسكري وكلفته الاقتصادية والاجتماعية.
أما عباس، فهو لم يدرك طوال تجربته أهمية البعد الاجتماعي للسياسة، مثلما لم يدرك أن استمرار التفرد لا يصنع نظام الدولة التي يتغنى بها وأحيانا يزعم أنها موجودة. فالتفرّد يحبطها وغياب المؤسسات يجعلها في مهب الريح.
عدلي صادق
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It