ardanlendeelitkufaruessvtr

الانجذاب للكارثة

بقلم كرم نعمة حزيران/يونيو 21, 2021 126

 

الانجذاب للكارثة

من المفيد أن نضع صورة لاعبي المنتخب الدنماركي وهم يوفرون الخصوصية لزميلهم في حلقة أمل لإنعاشه من الموت، أمام صورة "المراسلين" في مدينة أربيل من أجل فهم ما يؤول إليه الانجذاب للكارثة.
تصوير الموت لا يبعث على التسلية
الأخبار السعيدة عن تماثل لاعب المنتخب الدنماركي كريستيان إريكسن للشفاء بعد نقله للمستشفى، تقابلها سعادة مضافة تجسدت في الوعي الجمعي للاعبي المنتخب الذين شكلوا سورا يحيط باللاعب أثناء إسعافه داخل الملعب لتوفير قدر من الخصوصية ومنع تطفل العدسات. كان ذكاء جمعيّا يحول دون انجذاب الملايين لمشهد الموت المحتمل.
تلك الصورة المعبرة بإنسانيتها أكثر من فوتوغرافيتها، تعيد الأمل الذي افتقدناه مع شغف تصوير كل ما يمر بنا من كوارث وحوادث بشعة، قبل أن نبادر إلى التدخل والمساعدة.
قصة اللاعب الدنماركي في بطولة كأس أوروبا الذي عاد إلى الحياة بعد سكتة قلبية مفاجئة داخل الملعب، كشفت لنا أن تصوير الموت لا يبعث على التسلية، كما أوهمتنا عدسات الهواتف المحمولة وشهرتنا الفارغة على مواقع التواصل. لذلك بعث لنا لاعبو المنتخب الدنماركي في وقفتهم الدائرية الحزينة، رسالة معبرة لاستعادة الكياسة المفقودة في عصر الموبايل.
هناك شغف جمعي بمتابعة المشاهد السيئة والمؤلمة التي يعاني منها الناس، في فيديوهات متداولة، إلا أنّ منع لاعبي المنتخب الدنماركي الكاميرات من تصوير زميلهم الذي يعاني سكرات الموت، نبهتنا من جديد إلى أهمية استعادة الإحساس المتراجع بالواجب بعد أن فقدنا المبادرة بتفضيل تصوير الفظائع على إيقافها.
هناك خطأ سلوكي مريع تحوّل إلى موقف سائد باعتباره طبيعيا، عندما يعتقد أغلبنا بأن تصوير ونشر مشاهد الأحداث الفظيعة يجعلها تبدو أكثر واقعية. مثل هذا العرض المؤذي لم يكن في يوم ما مصدرا للاستمتاع. حتى عندما يتعلق الأمر بالعمل الصحافي نفسه.
صحيح “أن الأخبار السيئة هي أخبار جيدة” وفق القاعدة الصحافية، لكن عندما يكون الصحافيون مشاركين في صناعة هذه الأحداث يتخلون عن الدرس الأول الأهم بكثير من فكرة الخبر نفسه. فالصحافي لا يقول أنا فعلت، بل بكل تواضع يقول سمعت وشاهدت.
وهذا ما افتقده مجموعة من “المراسلين والمصورين” عندما تجمعوا قبل أسابيع أمام شاب إيراني كردي أقدم على حرق نفسه أمام مقر بعثة الأمم المتحدة في مدينة أربيل شمال العراق.
كانت العدسات تصور، والميكروفونات تتجمع أمام الشاب الإيراني المحتج على وضعه المزري، بينما كان ينبغي على أصحابها إيقاف مشهد الموت قبل أي شي آخر.
ولأنهم يجهلون الدرس الأول في الصحافة سمحوا بموت هذا الشاب، إن لم يكن قد ساهموا بطريقة أو بأخرى فيه.
من المفيد أن نضع صورة لاعبي المنتخب الدنماركي وهم يوفرون الخصوصية لزميلهم في حلقة أمل لإنعاشه من الموت، أمام صورة “المراسلين” في مدينة أربيل من أجل فهم ما يؤول إليه الانجذاب للكارثة، وكم فقدنا من كياستنا بمجرد التفكير بتصوير الفظائع!
كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It