ardanlendeelitkufaruessvtr

"البلاك بلوك" يدمرون حق التظاهر في فرنسا

بقلم حميد زناز حزيران/يونيو 26, 2021 211

 

"البلاك بلوك" يدمرون حق التظاهر في فرنسا

تعبير البلاك بلوك لا يشير إلى طريقة عمل حركي محدد وفريد من نوعه تقوم به مجموعة محددة الهوية، بل إلى تجمع لتيارات فكرية متعارضة في نفس الفعل الحركي المعارض للسلطة.
اليوم لم تعد جموع البلاك بلوك كما كانت في السابق
فرضت حركة “البلاك بلوك” نفسها في وسائل الإعلام خلال المظاهرات التي نظمت ضد حرب الخليج الأولى سنة 1991 ثم في عام 1999 في سياتل خلال القمة المضادة لمنظمة التجارة العالمية، وخلال المظاهرات ضد مجموعة الثماني في جنوة في يوليو 2001، وفي ستراسبورغ خلال قمة الناتو في أبريل 2009، وفي هامبورغ خلال اجتماع مجموعة العشرين سنة 2017. وفي مايو 2018 وكذلك خلال أزمة السترات الصفراء في باريس.
وبمرور الوقت أصبحت “البلاك بلوك” (الكتل السوداء) تثير الرعب حيثما حلت، خصوصا عندما تتمكن من التسلل بقوة وكثافة داخل المظاهرات المنظمة في فرنسا، بل أصبحت الشغل الشاغل لمنظمي التجمعات الاحتجاجية في هذا البلد وكابوسا لقوات حفظ النظام. فمن هم هؤلاء الملثمون الذين يلبسون ملابس سوداء وأقنعة غاز وفي أيديهم قارورات حارقة ومطارق، وينتظمون عادة في مجموعات مكونة من 400 إلى 500 عنصر، يثيرون الشغب ويستعملون العنف ضد قوات الشرطة وكل ما يرمز للدولة والليبرالية؟
ظهرت الجماعة لأول مرة في ألمانيا في بداية الثمانينات وسرعان ما انتشرت في أغلب البلدان الأوروبية. ثم انتشرت الظاهرة خارج الغرب ووصلت إلى بلدان مثل البرازيل، تركيا، مصر، إسرائيل والمكسيك.
لا ينشط المنتسبون لهذه الجماعة تحت سلطة شخصيات مركزية ولا يعرف لهم انتماء رسمي ولا يجمعهم سوى اللباس الأسود واللثام الذي يخفون به هوياتهم. من بينهم نساء كثيرات، وبما أنهن لا يردن إظهار هوياتهن، فمن الصعوبة معرفة نسبتهن داخل الجماعات. تعتقد السلطات الفرنسية أن المنضوين تحت لوائها هم يساريون متطرفون مناهضون لليبرالية واليمين المتطرف والفاشية وعازمون على تحويل باريس إلى “عاصمة للشغب”.
وترى جريدة “لوموند” الفرنسية أنه من الصعوبة بمكان تحديد هوية الحركة السياسية والأيديولوجية بسبب ظهورها الظرفي، فأعضاؤها يتجمعون في كتلة ويحمي بعضهم البعض ويبحثون عن التصادم مع رجال الأمن ثم يتفرقون بسرعة حسب الأحداث والمظاهرات المنظمة من طرف النقابات أو تلك التي تنظم في المناسبات الوطنية أو الجهوية. وفي واقع الحال ليست للحركة أدبيات تصدر دوريا يمكن الاعتماد عليها لفك شفرتها، إلا أننا يمكن أن نستشف بعض أفكارها والأهداف التي ترمي إلى تحقيقها من خلال بعض الشعارات القليلة التي ترفع أحيانا على لافتات سوداء هي الأخرى. نقرأ في إحداها “لا حرب بين الشعوب. لا سلام بين الطبقات”، أو “بغض النظر عمن يصوت، فنحن لا يمكن السيطرة علينا”.
لا يشير تعبير البلاك بلوك إلى طريقة عمل حركي محدد وفريد من نوعه تقوم به مجموعة محددة الهوية، بل يشير إلى تجاور أو تجمع لتيارات فكرية متعارضة في نفس الفعل الحركي العنيف المعارض للسلطة، أو في ردود أفعال تظهر من وقت إلى آخر. وفي هذا كله يشتركون في استعمال العنف واعتباره السبيل الوحيد الذي يعطي قيمة حقيقية لنضالهم، ويرون في الأعمال اللاعنفية كالمظاهرات والاعتصامات مجرد تنفيس عن نفوس الجماهير لا جدوى من ورائها سوى تجنب تراكم الشعور بالإحباط بين المواطنين كي لا يثوروا بقوة دفعة واحدة ضد الدولة ذاتها.
ومن هنا يبدو أن أغلبهم من الحراكيين المنحدرين من اليسار التحرري أو التسيير – ذاتي. ونجدهم عموما يهاجمون رموز الدولة كالمحاكم ورجال الشرطة ومباني الإدارات، وقد بلغ بهم الأمر أن حاولوا اقتحام قصر الإليزيه سنة 2019، متخذين من التسلل داخل مظاهرة للسترات الصفراء ذريعة. ويضعون نصب أعينهم أيضا رموز الرأسمالية كالبنوك والشركات متعددة الجنسيات والإعلان ومطاعم الوجبات السريعة وغيرها. ولئن كانت الرأسمالية المعولمة هي عدوهم اللدود فهم في أغلبهم طلبة ينتمون إلى الطبقات المتوسطة والبرجوازية نشطوا في بداية الثمانينات، خاصة في ألمانيا، ولم تكن لهم علاقة بالطبقات الشعبية الفقيرة حينها.
اليوم لم تعد جموع البلاك بلوك كما كانت في السابق وانخفض عدد حاملي الشهادات والمسيّسين المنتمين في أغلبهم إلى اليسار المتطرف والأناركية في صفوفهم، فهم اليوم من رواد الملاعب والمشجعين المشاغبين المنحدرين من الضواحي الشعبية الفقيرة.
ورغم التشدد الظاهري الذي تبديه المحاكم الأوروبية تجاههم، إذ تلاحقهم بتهم خطيرة مثل “تكوين جمعية أشرار بقصد القيام بعمليات إرهابية” و”التخريب”، إلا أن هذا لا يثني من عزيمتهم، وبالتالي لا يترددون في انتهاز أي فرصة للتعبير عن كرههم لليبرالية ورموزها.
رغم ذلك لا يعرف أحد البديل الذي يقترحون، وربما هم أيضا لا يعرفون ما يرفضون ولا يعرفون ما يريدون!
وربما تكون مقولة الفيلسوف السلمي المناهض للعنف ألبير كامو “يجب أن يتوقف هذا العالم عن كونه عالم الشرطة والجنود والمال ليصبح عالم الرجال والنساء والعمل المثمر والترفيه العاقل”، أفضل تعبير عن فلسفة هؤلاء رغم تبنيهم للعنف.
حميد زناز
كاتب جزائري مقيم في فرنسا

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It