ardanlendeelitkufaruessvtr

اعتذار في باب توما

بقلم رباح آل جعفر تموز/يوليو 07, 2021 201

اعتذار في باب توما

رباح آل جعفر

‏منذ‭ ‬خمس‭ ‬وثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬وأنا‭ ‬أكتب‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭.. ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬العراق‭ ‬أتذكرهم‭ ‬واحداً‭ ‬واحداً‭: ‬عز‭ ‬الدين‭ ‬سلمان‭ “‬اليساري‭ ‬الضاحك‭” ‬أو‭ “‬ستالين‭” ‬كلما‭ ‬تقابلنا‭ ‬على‭ ‬سلّم‭ ‬الجريدة‭ ‬كنت‭ ‬أسأله‭: ‬لماذا‭ ‬أطلقت‭ ‬اسم‭ “‬كردستان‭” ‬على‭ ‬ابنتك؟‭ ‬فيردّ‭ ‬عليّ‭ ‬ساخراً‭ “‬وهل‭ ‬أسمّيها‭ ‬أمريكا‭”‬؟‭!. ‬
‏أما‭ ‬مظهر‭ ‬عارف‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ “‬في‭ ‬انتظار‭ ‬غودو‭” ‬يأتي‭ ‬ولا‭ ‬يأتي‭. ‬كان‭ ‬من‭ ‬ظرفاء‭ ‬الصحافة‭ ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬يروي‭ ‬النكت‭. ‬إنما‭ ‬يصنعها‭ ‬من‭ ‬خياله‭. ‬يصافحنا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬الإصبع‭ ‬الخامسة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يديه‭. ‬وكان‭ ‬صانع‭ ‬مانشيتات‭ ‬الصفحة‭ ‬الأولى‭ ‬صباح‭ ‬اللامي‭ ‬أو‭ “‬القاموس‭ ‬المحيط‭” ‬لقدرته‭ ‬اللغوية‭. ‬أما‭ ‬سالم‭ ‬العزاوي‭ ‬فكلما‭ ‬انتفض‭ ‬غضباً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬قلم‭ ‬رئيس‭ ‬التحرير‭ ‬بمقالات‭ ‬المحررين‭ ‬أطفأنا‭ ‬غضبه‭ ‬بسيكارة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬سومر‭ ‬ليهدأ‭!‬‭.‬
‏وكان‭ ‬رئيس‭ ‬التحرير‭ ‬صلاح‭ ‬الدين‭ ‬سعيد‭ ‬يعتني‭ ‬بمظهره‭ ‬وهندامه‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يعتني‭ ‬بمطبوعه‭ ‬لأنها‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬لديه‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬وربما‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.. ‬ثم‭ ‬يقابلك‭ ‬طه‭ ‬عارف‭ ‬بابتسامته‭ ‬الفارقة‭ ‬وملابسه‭ ‬المزركشة‭ ‬بالألوان‭ ‬وقد‭ ‬اكتفى‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬أيامه‭ ‬أن‭ ‬يصدر‭ ‬أعداداً‭ ‬من‭ ‬جريدة‭ “‬المنار‭” ‬ليدفع‭ ‬من‭ ‬إعلانها‭ ‬إيجار‭ ‬بيته‭ ‬بعدما‭ ‬أمضى‭ ‬حياته‭ ‬مستأجراً‭ ‬في‭ ‬الأعظمية‭. ‬ويواجهك‭ ‬موحان‭ ‬الظاهر‭ ‬بصخبه‭ ‬وقفشاته‭ ‬وحكاياته‭ ‬عن‭ “‬ريف‭ ‬الحلة‭ ‬ودواوينها‭”..‬‭ ‬لتنتهي‭ ‬بحكايات‭ ‬هارون‭ ‬محمد‭ ‬وانشغالاته‭ ‬وبأحمد‭ ‬شبيب‭ ‬مهندس‭ ‬الحرف‭ ‬في‭ ‬المطبعة‭ ‬وحارس‭ ‬الصفحة‭ ‬الثقافية‭ ‬الصارم‭ “‬أبو‭ ‬صارم‭”!.‬
‏وفي‭ ‬جريدة‭ ‬العراق‭ ‬كانت‭ ‬تكثر‭ ‬الكتابة‭ ‬باسماء‭ ‬مستعارة‭ ‬لكي‭ ‬يزيد‭ ‬الكتّاب‭ ‬والمحررون‭ ‬من‭ ‬مكافآتهم‭. ‬مرة‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬رئيس‭ ‬التحرير‭: ‬أنت‭ ‬تكتب‭ ‬في‭ ‬جريدتين‭ ‬وتكتب‭ ‬باسم‭ ‬مستعار‭. ‬أين‭ ‬تذهب‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الفلوس؟‭!. ‬
‏وكنّا‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المحررين‭ ‬نجتمع‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬الثالث‭ ‬أما‭ ‬رئيس‭ ‬التحرير‭ ‬فكان‭ ‬مكتبه‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬الثاني‭. ‬وعندما‭ ‬كنّا‭ ‬نريد‭ ‬لمقال‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬طريقه‭ ‬للنشر‭ ‬دون‭ ‬شطب‭ ‬فإننا‭ ‬نرسله‭ ‬بيد‭ ‬عامل‭ ‬الخدمة‭ ‬العم‭ ‬القروي‭ ‬الطيّب‭ “‬أبو‭ ‬حسن‭” ‬ونوصيه‭ ‬أن‭ ‬ينزل‭ ‬إلى‭ ‬رئيس‭ ‬التحرير‭ ‬ويقول‭ ‬له‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ “‬اجاك‭ ‬من‭ ‬فوك‭” ‬فينهض‭ ‬واقفاً‭ ‬معتقداً‭ ‬إنه‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‭!. ‬
‏ولقد‭ ‬جرّبنا‭ ‬يوماً‭ ‬إسلوباً‭ ‬جديداً‭ ‬في‭ ‬الصحافة،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نبعج‭ ‬البالون‭ ‬بإبرة‭. ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬هذه‭ ‬البالونات‭ ‬حين‭ ‬نشرنا‭ ‬في‭ ‬الصفحة‭ ‬الأخيرة‭ ‬عن‭ “‬قاص‭ ‬ستيني‭ ‬مصاب‭ ‬بالذاتية‭ ‬المتطرفة،‭ ‬يدّعي‭ ‬أنه‭ ‬مالئ‭ ‬الدنيا‭ ‬وشاغل‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بدراسات‭ ‬وترجمات‭ ‬عن‭ ‬أدبه،‭ ‬لم‭ ‬نسمع‭ ‬بها‭ ‬ولم‭ ‬نقرأها،‭ ‬لولا‭ ‬إعلاناته‭ ‬المجانية‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬الصحف‭”. ‬وكان‭ ‬التوقيع‭ ‬يحمل‭ ‬إسم‭ “‬متعب‭ ‬بن‭ ‬تعبان‭” ‬المستعار‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬لنزار‭ ‬قباني‭!.‬
‏ويبدو‭ ‬أن‭ ‬صديقنا‭ ‬الروائي‭ ‬المبدع‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬مجيد‭ ‬الربيعي‭ ‬ظنّ‭ ‬أنه‭ ‬هو‭ ‬المقصود‭ ‬بما‭ ‬منشور،‭ ‬فجاءنا‭ ‬ذات‭ ‬ليلة‭ ‬شتائية‭ ‬ماطرة‭ ‬إلى‭ “‬العراق‭” ‬وبصحبته‭ ‬القاص‭ ‬الراحل‭ ‬غازي‭ ‬العبادي‭ ‬والناقد‭ ‬ماجد‭ ‬السامرائي‭. ‬كان‭ ‬الربيعي‭ ‬يتأبط‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬والدراسات‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬إنها‭ ‬تثبت‭ ‬ما‭ ‬أنكرناه‭ ‬وكان‭ ‬يسألنا‭ ‬بعتب‭ ‬شديد‭: ‬من‭ ‬هو‭ ‬متعب‭ ‬بن‭ ‬تعبان؟‭ ‬وكان‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬ندافع،‭ ‬ولعلنا‭ ‬أضعنا‭ ‬الوقت‭ ‬عبثاً‭ ‬ونحن‭ ‬نحاول‭ ‬الاعتذار،‭ ‬فاضطررنا‭ ‬أن‭ ‬نلقي‭ ‬التهمة‭ ‬على‭ ‬زميلنا‭ ‬حسن‭ ‬العاني‭. ‬وجلس‭ ‬الربيعي‭ ‬يكتب‭ ‬رداً‭ ‬نشرناه‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬انبرى‭ ‬في‭ ‬سطوره‭ ‬يصب‭ ‬اللعنات‭ ‬على‭ ‬كاتب‭ ‬تلك‭ ‬السطور‭ ‬مستغرباً‭ ‬أن‭ ‬تمرّ‭ ‬هذه‭ “‬الحكاية‭” ‬من‭ ‬تحت‭ ‬قلم‭ ‬زميلنا‭ ‬العزيز‭ ‬زيد‭ ‬الحلي‭!.‬
‏مرّت‭ ‬سنوات‭ ‬طوال‭ ‬حتى‭ ‬التقيت‭ ‬مع‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬الربيعي‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬دمشقي‭ ‬بباب‭ ‬توما‭ ‬وكان‭ ‬معنا‭ ‬الشاعر‭ ‬عبد‭ ‬الرزاق‭ ‬عبد‭ ‬الواحد‭ ‬والكاتب‭ ‬البديع‭ ‬فاضل‭ ‬الربيعي‭. ‬حين‭ ‬انتهينا‭ ‬من‭ ‬الغداء‭ ‬سألته‭: ‬هل‭ ‬تتذكر‭ “‬متعب‭ ‬بن‭ ‬تعبان‭”‬؟‭ ‬قال‭: ‬كيف‭ ‬لا‭ ‬أتذكره‭. ‬سامح‭ ‬الله‭ ‬حسن‭ ‬العاني‭! ‬قلت‭ ‬والله‭ ‬يا‭ ‬مولانا‭ ‬إن‭ ‬العاني‭ ‬برئ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التهمة‭. ‬وأنني‭ ‬أنا‭ ‬من‭ ‬كتبت‭ ‬تلك‭ ‬السطور،‭ ‬بقصد‭ ‬تحريك‭ ‬الجو‭ ‬الراكد،‭ ‬وما‭ ‬أثقله‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭!.‬
‏استغرب‭ ‬الربيعي‭ ‬وابتسم‭ ‬طويلاً‭.. ‬ثم‭ ‬ضحكنا‭ ‬من‭ ‬حناجرنا‭!.‬

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It