طباعة

إسرائيل الخصم والوسيط بين مصر وإثيوبيا

بقلم محمد أبوالفضل تموز/يوليو 16, 2021 258

 

إسرائيل الخصم والوسيط بين مصر وإثيوبيا

وضع إسرائيل في صيغة الخصم والوسيط يتنافى مع ما تشير إليه الكثير من التوجهات المصرية من خلال الدراما والإعلام من أنها خصم فقط يبحث عن تخريب الدولة بكل السبل.
توتر متصاعد تعكسه إشارات الأيادي
أخرج الدبلوماسي المصري السابق مصطفى الفقي الحديث الذي يدور في النقاشات الخاصة حاليا إلى السطح عندما نصح الحكومة المصرية في أحد البرامج التلفزيونية الثلاثاء باللجوء إلى إسرائيل للوساطة في أزمة سد النهضة الإثيوبي، لأنها تستطيع مساعدتها في الضغط على أديس أبابا وتغيير موقفي الولايات المتحدة وروسيا من الأزمة بعد أن خسرت مصر كل أوراق الضغط.
لا أعلم هل هو طق حنك سياسي وحديث للفضفضة التي درج عليها الرجل أم نصيحة حقيقية للحكومة، أم رسالة لجس نبض إسرائيل، خاصة أن أيّ جهة رسمية في القاهرة لم تعقّب عليه قبولا أو رفضا، بما منح نصيحته قدرا من الجدية، وعززت التكهنات حول تفسير إصرار إثيوبيا على التصرف في قضية السد بشكل أحادي.
أعادت الإشارة إلى نفوذ إسرائيل في إثيوبيا تقديرات مختلفة حول تغلغلها في دول حوض النيل منذ خمسينات القرن الماضي وستيناته، ورغبتها في القبض على ورقة المياه ضمن حروبها غير المباشرة مع القاهرة، ومن بينها التحريض على تشييد العديد من السدود على النيل الأزرق الذي تأتي منه 70 بالمئة من مياه النيل إلى مصر.
لم يقدم مصطفي الفقي الذي كان مرشحا لشغل مقعد أمين عام الجامعة العربية من قبل اختراعا جديدا حول دور تل أبيب في إثيوبيا منذ عقود طويلة، ولا أحد يجهل العلاقة الوطيدة بين الجانبين، لكن يبدو أنه حاول مسايرة الموجة العربية التي تضع على عاتق إسرائيل كل أوزار حكام المنطقة وهي أيضا التي يمكنها إنقاذهم منها.
بدت التصرفات المصرية ممتعضة من الترويج لفكرة التطبيع مقابل حل الأزمات العربية، وقبولها يهدم تصوراتها الرافضة لهذا الطريق، ويضعها رهينة لإسرائيل، وهو ما يلغي الأهمية التي يحملها تراكم القدرات العسكرية لإحداث توازن نسبي مع القوى الإقليمية التي تمثل تهديدا لمصر، وفي مقدمتها تل أبيب التي أخفقت على مدار أربعة عقود في تحويل السلام البارد مع القاهرة إلى ساخن.
الإشارة إلى نفوذ إسرائيل في إثيوبيا أعادت تقديرات مختلفة حول تغلغلها في دول حوض النيل منذ خمسينات القرن الماضي وستيناته، ورغبتها في القبض على ورقة المياه ضمن حروبها غير المباشرة مع القاهرة
تغافل الفقي الذي يتولى مسؤولية إدارة مكتبة الإسكندرية حاليا تعقيدات الحسابات الدولية التي وضعت واشنطن وموسكو وبكين وبعض العواصم الأوروبية الأخرى في كفة إثيوبيا، الأمر الذي ظهرت معالمه في جلسة مجلس الأمن الدولي الخاصة بأزمة سد النهضة الأسبوع الماضي، بمعنى أن تل أبيب ليست وحدها الحليف القوي لأديس أبابا، فهناك حلفاء كثر يساندون رؤيتها.
ردّد الفقي، وهو الدبلوماسي المخضرم، حديث رجل الشارع الذي ما أن تقع أزمة في مصر إلا ويبحث عن إسرائيل وأصابعها التي يعتقد أنها تحركها في الخفاء، ربما كان هذا الاستنتاج سليما في وقت سابق، لكن اليوم ثمة أكثر من جهة تدعم إثيوبيا وتقف خلفها، بينها جهات صديقة وعلى علاقة وثيقة بالقاهرة غير أن مصلحتها تنسجم أيضا مع دعم أديس أبابا في الوقت الراهن.
يقلل تداخل القوى الداعمة لإثيوبيا من أهمية النصيحة التي قدمها السياسي المصري، ويكشف عن توازنات جديدة تتشكل في منطقة حوض النيل سوف تؤثر تداعياتها على المعادلة التي وضعت إسرائيل كعنصر رئيسي في تحريك ملف المياه بالصورة التي تمثل ضغطا عنيفا على القاهرة، حيث تقف بجوارها دوائر مختلفة.
من هنا تكمن حساسية الموقف المصري الذي يواجه ما يشبه القوى الشبح بمعناها المادي أو المعنوي، فلا توجد دولة بعينها تستطيع حسم النتيجة لصالح دولتي المصب مصر والسودان أو لصالح إثيوبيا، فهناك دول عدة تتصارع للدفاع عن مصالحها ليس بغرض مضايقة مصر أو مناكفتها، بل بهدف تحقيق أقصى مكاسب وتكبيد الخصوم أكبر خسائر، والاستعداد لمرحلة تتشكل ملامحها بناء على ما تمتلكه الدولة من نفوذ إقليمي.
أصبحت المسألة برمّتها خاضعة لتحولات جزء منها بدأ يتبلور مع اندلاع أزمة سد النهضة وترتيب الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي، وجزء ما يزال غاطسا، وهو ما جعل الأزمة تتجاوز مثلث مصر والسودان وإثيوبيا وتشكل بروفة لما يمكن أن تكون عليه حروب المياه في المستقبل، والتنافس داخل القارة الأفريقية.
لذلك بدأت إثيوبيا وإريتريا وغيرهما من دول حوض النيل تخرج من دائرة ربط الإرادة السياسية التقليدية بإسرائيل وفقا لخطاب تتبناه حتى الآن بعض قوى اليسار العربي، فلكل دولة شبكة متشعبة من العلاقات الإقليمية والدولية قد تكون إسرائيل قوية بدرجة لافتة لكنها ليست الوحيدة المتحكمة في جميع مفاصلها.
التركيز على إسرائيل يعيد الهواجس الشعبية المصاحبة لنظرية المؤامرة المختزلة في الوجدان الشعبي العام، بما يخفف الضغوط الواقعة على كاهل الدولة المصرية لتجاوز ارتدادات قضية سد النهضة
وهي المغالطة التي وقع فيها الفقي ومن يسايرونه في فكرة اللجوء إلى إسرائيل ووضع الرهان عليها، فتصويره أن هذه الدولة بمفردها تتحكم في المزاج الإثيوبي يشيع أجواء جديدة من الإحباط لدى المواطن المصري الذي تصوّر أنه تجاوز هذه العقدة.
تجعل هذه النتيجة حديث الفقي مستهلكا وبعيدا عن الواقع العملي وتعيده إلى زمن تجاوزته مصر في إسناد كل أزمة إلى تآمر إسرائيل عليها، وحتى لو كان ذلك ينطوي على قدر من الصواب في بعض الحالات، فمن المفترض أن لدى القاهرة من الأدوات ما يمكّنها من تفويت الفرصة على أيّ جهة تستهدف مصالحها في دول حوض النيل كجزء من الأمن القومي للبلاد، وإلا فأزمة سد النهضة لن تكون الأولى والأخيرة.
يعيد التركيز على إسرائيل الهواجس الشعبية المصاحبة لنظرية المؤامرة المختزلة في الوجدان الشعبي العام، بما يخفف الضغوط الواقعة على كاهل الدولة المصرية لتجاوز ارتدادات قضية سد النهضة، أو هكذا يتصوّر الفقي، فحشر إسرائيل في الأزمة يجلب للأذهان ما تردد حول رغبتها في توصيل مياه النيل إليها عبر شبه جزيرة سيناء.
لم يشر الرجل صراحة إلى هذه النقطة، لكنّ المتابعين للطرح منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 يعلمون أنه رفض من جانب القيادات المصرية المتعاقبة وفي عصور مختلفة، بالتالي لا مجال لتكراره، فقد يشرعن خطة الترويج لتسعير المياه وإعادة توزيع حصصها التاريخية التي تلمّح إليها إثيوبيا من وقت إلى آخر.
وضع إسرائيل في صيغة الخصم والوسيط يتنافى مع ما تشير إليه الكثير من التوجهات المصرية من خلال الدراما والإعلام من أنها خصم فقط يبحث عن تخريب الدولة بكل السبل، من الداخل والخارج، وهو ما يفقد طرح الفقي الجدية الكافية، لأن القبول بدور الوساطة وتسليكها وسط هذه القوى المنخرطة في الأزمة لن يكون مجانيا وقد تفوق نتيجته ما يمكن أن تتكبّده مصر جراء سد النهضة.
محمد أبوالفضل
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)