ardanlendeelitkufaruessvtr

أباطيل يوسف في زنبيل

بقلم رباح آل جعفر آب/أغسطس 04, 2021 184

أباطيل يوسف في زنبيل

رباح آل جعفر

‏مات‭ ‬صديقنا‭ ‬الأديب‭ ‬يوسف‭ ‬نمر‭ ‬ذياب‭ ‬بعد‭ ‬حياة‭ ‬كئيبة‭ ‬شقّها‭ ‬بأسنانه‭ ‬وسط‭ ‬التلال‭ ‬والصخور،‭ ‬أترعته‭ ‬كؤوساً‭ ‬من‭ ‬البؤس‭ ‬والحرمان،‭ ‬ليترك‭ ‬خلفه‭ ‬إرثاً‭ ‬من‭ ‬الجراح‭ ‬والذكريات‭ ‬المريرة‭. ‬وقال‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬أسىً‭: ‬لقد‭ ‬علّموني‭ ‬لماذا‭ ‬تجدب‭ ‬الصحارى،‭ ‬فمن‭ ‬يعلّمني‭ ‬لماذا‭ ‬تجدب‭ ‬القلوب؟‭!.‬
‏وأذكر‭ ‬مرة‭ ‬كنا‭ ‬نجلس‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬منزله‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الكرادة‭. ‬وفجأة‭ ‬والدخان‭ ‬يعمي‭ ‬عيوننا،‭ ‬انطلقت‭ ‬مني‭ ‬ضحكة‭ ‬طويلة‭ ‬عميقة،‭ ‬وسألني‭ ‬يوسف‭: ‬لماذا‭ ‬تضحك؟‭ ‬ورويت‭ ‬له‭ ‬مشهد‭ ‬الرجل‭ ‬الوقور‭ ‬الذي‭ ‬يلعب‭ ‬معه‭ “‬الدومينو‭” ‬وهو‭ ‬يعمد‭ ‬إلى‭ ‬إخفاء‭ “‬الدوشش‭” ‬ليربح‭ ‬اللعبة‭. ‬وسمعته‭ ‬يحلف‭ ‬الأيمان‭ ‬المغلظة‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يخسر‭ ‬غير‭ ‬مرّتين‭ ‬ويعلم‭ ‬علم‭ ‬اليقين‭ ‬أنه‭ ‬خسر‭ ‬ثلاثاً،‭ ‬ثمّ‭ ‬تعالت‭ ‬الأصوات‭ ‬والضحكات‭ ‬والنكات‭.. ‬وتبسّم‭ ‬يوسف‭ ‬وأشار‭ ‬بيده‭ ‬نحو‭ ‬الرجل‭ ‬قائلاً‭: ‬إذا‭ ‬غسلت‭ ‬الكلب‭ ‬في‭ ‬المحيطات‭ ‬السبعة‭ ‬فسوف‭ ‬يخرج‭ ‬منها‭ ‬أكثر‭ ‬قذارة‭!.‬
‏وكان‭ ‬يحكي‭ ‬لي‭ ‬متاعبه‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.. ‬متاعب‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬لها،‭ ‬ويشكو‭ ‬من‭ ‬الأقلام‭ ‬التي‭ ‬سبحت‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬النفاق،‭ ‬وما‭ ‬أصاب‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬من‭ ‬قحط،‭ ‬وما‭ ‬حطَّ‭ ‬على‭ ‬دنيا‭ ‬الأدب‭ ‬من‭ ‬بلاء،‭ ‬وقد‭ ‬هبط‭ ‬علينا‭ ‬كالطير‭ ‬كتباء‭ ‬وكتاتيب‭ ‬من‭ ‬الصنف‭ ‬العاشر‭.. ‬ويبدو‭ ‬عليه‭ ‬الغيظ‭ ‬الشديد‭ ‬فأراه‭ ‬ساخطاً‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.. ‬على‭ ‬الحكومة،‭ ‬وعلى‭ ‬الشعب،‭ ‬وعلى‭ ‬الأدباء،‭ ‬وعلى‭ ‬الصحافة،‭ ‬وعلى‭ ‬مجتمع‭ ‬يدوس‭ ‬بأقدامه‭ ‬قلوب‭ ‬الضعفاء‭!.‬
‏وفي‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬موضوعاً‭ ‬يكتب‭ ‬فيه‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬رتيبة‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬خلاص‭ ‬غير‭ ‬يوم‭ ‬الخميس،‭ ‬يوم‭ ‬انعقاد‭ ‬مجلس‭ ‬آل‭ ‬الشعرياف‭ ‬الأدبي،‭ ‬إذ‭ ‬يجد‭ ‬متنفساً‭ ‬لما‭ ‬يسمع‭ ‬من‭ ‬آراء،‭ ‬واتفقنا‭ ‬أنا‭ ‬والأستاذ‭ ‬مدني‭ ‬صالح‭ ‬أن‭ ‬نزوده‭ ‬بأفكار‭ ‬يكتبها‭ ‬ولم‭ ‬ننفذ‭ ‬اتفاقنا‭. ‬ومازحته‭ ‬قائلاً‭: ‬إني‭ ‬قرأت‭ ‬للأستاذ‭ ‬عباس‭ ‬محمود‭ ‬العقاد‭ ‬مقالاً‭ ‬يشكو‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬موضوعاً‭ ‬يكتب‭ ‬فيه‭ ‬غير‭ ‬أزمة‭ ‬الخادمات‭!.‬
‏وقال‭ ‬لي‭ ‬يوسف‭: ‬إنه‭ ‬في‭ ‬أعوام‭ ‬الأربعينات‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية‭ ‬كان‭ ‬طالباً‭ ‬في‭ ‬ثانوية‭ ‬الرمادي‭ ‬للبنين‭ ‬وكان‭ ‬الشاعر‭ ‬بدر‭ ‬شاكر‭ ‬السيّاب‭ ‬أستاذاً‭ ‬فيها،‭ ‬وهناك‭ ‬كتب‭ ‬السيّاب‭ ‬قصيدته‭ ‬الرائدة‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬الحديث‭ “‬السوق‭ ‬القديم‭” ‬التي‭ ‬استوحاها‭ ‬من‭ ‬أجواء‭ ‬سوق‭ ‬علي‭ ‬السليمان‭ ‬في‭ ‬المدينة‭. ‬وفي‭ ‬سوق‭ ‬علي‭ ‬السليمان‭ ‬كان‭ ‬القسم‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ “‬خان‭ ‬شاحوذ‭” ‬الذي‭ ‬جاءه‭ ‬يوسف‭ ‬من‭ ‬بلدته‭ ‬هيت‭ ‬الشاربة‭ ‬من‭ ‬نهر‭ ‬الفرات‭ ‬عطشاً‭.‬
‏ووجد‭ ‬في‭ ‬الرمادي‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يجده‭ ‬في‭ ‬هيت‭. ‬وجد‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬مكتبة‭ ‬يعير‭ ‬صاحبها‭ ‬الكتاب‭ ‬بأربعة‭ ‬فلوس‭ ‬كل‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭. ‬وكان‭ ‬يرى‭ ‬فيه‭ ‬صورة‭ ‬الجاحظ‭ ‬الذي‭ ‬قيل‭ ‬أنه‭ ‬مات‭ ‬تحت‭ ‬أكداس‭ ‬الكتب‭.. ‬وفي‭ ‬الرمادي‭ ‬أدمن‭ ‬يوسف‭ ‬التدخين،‭ ‬وارتبطت‭ ‬ذاكرته‭ ‬بحانوت‭ ‬ذلك‭ “‬الهيتاوي‭” ‬القابع‭ ‬في‭ ‬دكانه‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬باعه‭ ‬بالنسيئة‭ ‬علبة‭ ‬دخان‭ ‬تركية‭ ‬بـ‭ (‬32‭) ‬فلساً،‭ ‬وبقي‭ ‬يوسف‭ ‬زمناً‭ ‬يسرع‭ ‬الخطى‭ ‬إذا‭ ‬مرّ‭ ‬من‭ ‬أمام‭ ‬دكانه‭ ‬خشية‭ ‬أن‭ ‬يطالبه‭ ‬بدينه‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬سداده‭.. ‬وبدأ‭ ‬حياته‭ ‬ممثلاً‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬مدرسة‭ ‬هيت،‭ ‬وفي‭ ‬الصف‭ ‬السادس‭ ‬الابتدائي‭ ‬كتب‭ ‬قصيدة‭ ‬من‭ ‬مائة‭ ‬بيت‭ ‬وأصدر‭ ‬ديوانه‭ “‬أباطيل‭” ‬وضعه‭ ‬الدكتور‭ ‬أحمد‭ ‬مطلوب‭ ‬في‭ “‬زنبيل‭”‬،‭ ‬وكتب‭ ‬القصة‭ ‬وأراني‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬بدأ‭ ‬بها‭ ‬تجربته‭ ‬الأدبية،‭ ‬كانت‭ ‬كلها‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬خيانة‭ ‬المرأة‭!.‬
‏ويوسف‭ ‬نمر‭ ‬ذياب‭ ‬الذي‭ ‬غفرت‭ ‬له‭ ‬مواقفه‭ ‬مني‭. ‬عاش‭ ‬سبعة‭ ‬عقود‭ ‬وثلاثة‭ ‬أعوام‭ ‬لا‭ ‬يهمّه‭ ‬صياح‭ ‬الديكة‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬كانوا‭ ‬بحجوم‭ ‬بني‭ ‬البشر‭!!.‬

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It