ardanlendeelitkufaruessvtr

الإنسان حيوان مسافر

بقلم حكيم مرزوقي كانون1/ديسمبر 11, 2016 451

الإنسان حيوان مسافر
حكيم مرزوقي
أزعم أنّي أتقن الإنصات إلى وقع الأختام -بل وأشتمّهاـ عند الحواجز في الموانئ والمطارات، وأميّز جيّدا هويّة الجوازات من طرقات شرطة الحدود فوقها، طرقات تبدو في ظاهرها آليّة وعشوائية، لكنّ وراءها “مايسترو”، شديد الإتقان ماهر البراعة وعبقريّ التوزيع.
الحقيقة أن لا شيء يجمع بين أرتال هذه الطوابير غير ادّعاء أناقة الانتظار وتمثل غريزتي القدوم والمغادرة، لا رابط بين المسافرين جميعهم، وبين المدن التي تسكن جوازاتهم غير حبر الأختام.
لا حقيبة تشبه مثيلتها فوق الشريط الأفعواني المعدني المتحرّك، وإن تشابهت الهدايا في عيون المستقبلين ورجال الجمارك وفوق عربات نقل الأمتعة.. فهل الإنسان حيوان مسافر؟
يعود موظفو النقاط الحدودية إلى بيوتهم كل مساء بأصابع معضّلة وأكتاف متشنّجة، ولا يعلمون أنهم قد رسموا خلفهم مصائر الآلاف من المسافرين.
يأوي السائقون والمضيفون إلى فراش نومهم بشيء من الصداع والأحلام الصغيرة وقد محوا ركّاب رحلة اليوم من دفاترهم، ومعهم لطفهم الاحترافي وابتساماتهم المهنية.
ثمّة ضربة ختم موصوفة للفرج والخلاص مثل حكم براءة تعلنه مطرقة العدالة، وثمّة أخرى تشبه المؤبّد أو الإعدام، وثالثة تحسم أمرا كان مقضيّا، ورابعة تفتح أبوابا كانت مغلقة نحو النعيم أو الجحيم.. وإلى ما لا نهاية من الدراما الإنسانية المرسومة في كتيّب شخصي اسمه جواز السفر، فكيف ينسى الطبل نقرات صاحبه؟
ثمّة مدن تطبعها أختام بحبر سريع الزوال، شاحب الملامح، هلامي الشكل واللون.
ثمّة مدن عمّدها حبر يشبه الوشم، وثمّة مدن يقرّرها حبر سريّ لا يفكّ لغزه إلاّ العارف بتركيبته، وثمّة مدن ختمت على القلب وبحبر يسري في العروق ويفوح منه عطر أبدي.
لم أعد أذكر عدد الجوازات التي حملتها -أو حملتني- وحملت أختام مطارات كثيرة، لكنّي أستحضر -كما الحب الأوّل- أوّل دقّة ختم على جوازي في دمشق منذ ثلاثين عاما، وفي مثل هذا اليوم.
قلت لسائق التاكسي وبلكنة تونسية “إلى نص الشام”، ثمّ وفي منتصف الطريق، انتبهت إلى أني لا أعرف أيّ شخص ولا أملك أيّ عنوان في الشام.
اسمحوا لي الآن أن أستخدم عبارة “قطع” المعروفة في تقنية كتابة السيناريو للانتقال إلى زمن آخر ومكان آخر: قطع.. (ليلي داخلي) المكان: مطار قرطاج.
تونس، بعد ثلاثين عاما، وبعد نقاش طويل، ختم موظف الجوازات التونسية على “كتيّبي الصغير” بطرقة ارتعش لها قلبي.
وفي منتصف الطريق قلت لسائق التاكسي -وبلكنة شامية- “إلى نص تونس”، ثم انتبهت إلى أنّي فقدت غالبية الأهل والأصدقاء، ولم أعد أملك أيّ عنوان واضح في تونس التي غادرتها وحيدا بشعر كثيف واندفاع أكثر كثافة، ثم عدت إليها “منشطرا” في ذاكرتين وعائلة، وبقلب ذي لحية بيضاء وأختام كثيرة.



سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)