ardanlendeelitkufaruessvtr

الديمقراطية في العراق وهم ليس إلا

بقلم زكي رضا أيلول/سبتمبر 14, 2021 139

 

الديمقراطية في العراق وهم ليس إلا

من غير المنطقي الحديث عن الديمقراطية في العراق دون توفر شروط قيامها والتي تتمثل بجملة أمور لم تتحقق وإن تحققت فإن تجاوزها والالتفاف عليها هما السمتان الأساسيتان في التعامل معها.
العراق يحتاج ديمقراطية حقيقية لا ديمقراطية عمائم
من الصعب جدا وصف نظام المحاصصة الطائفية القومية بالعراق بالنظام الديمقراطي. فوجود أو السماح بقيام أحزاب ومنظمات سياسية ومنظمات مجتمع مدني، وإجراء انتخابات دورية لتشكيل سلطة تشريعية/ برلمان لا تعني تحقيق الديمقراطية. كما أنّ التحولات الديمقراطية لا يمكن تحقيقها في فترات زمنية قصيرة، بل تأتي عبر فترات زمنية طويلة نوعا ما وتراكم كمّي ونوعي لسلسلة من الصراعات السلمية في المجتمع.
والديمقراطية في حال تحقيقها تأخذ على عاتقها تنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة، من خلال قوانين ونظم علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وهذه العلاقة بين الدولة والمجتمع تصل بالمجمع في نهاية المطاف إلى أن الصراع السلمي بين الطبقات الاجتماعية هو من يحدد شكل النظام السياسي/ الديمقراطي، من خلال التداول السلمي للسلطة طبعا.
من غير المنطقي الحديث عن الديمقراطية في العراق اليوم دون توفر شروط قيامها والتي تتمثل بجملة أمور لم تتحقق، وإن تحقّقت فإنّ تجاوزها والالتفاف عليها هما السمتان الأساسيتان في التعامل معها من قبل السلطة. فدولة القانون وسيادته يُصدمان بوجود عدد كبير من الميليشيات المسلّحة. والتي نتيجة لضعف الدولة وفتاوى المؤسسة الدينية باتت تحمل الصفة القانونية، ممثّلة في السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولها امتدادات أخرى نتيجة نفوذها المسلّح وتأثيرها في السلطة القضائية والسلطة الرابعة.
الحريّات العامّة، وهي ركن أساسي في بنية النظم الديمقراطية، تغيب هي الأخرى نتيجة قمعها في مهدها، كما جرى التعامل مع انتفاضة تشرين – أكتوبر وقتل المئات من المتظاهرين الذين يبيح لهم القانون والدستور حرية التظاهر والتجمع. علاوة على تجاوز الدستور ونصوصه المتعلقة بحرية الفرد وحقوق الإنسان وتوفير الحياة الكريمة لأبناء المجتمع، ما ترتب ويترتب عنه وجود فجوة كبيرة بين المجتمع والدولة التي لا تتذكر هذا المجتمع إلا في مواسم الانتخابات!
"الدولة" العراقية تعترف بالتعددية السياسية في البلاد. والتعددية السياسية بالحقيقة تعتبر ركنا من أركان الديمقراطية، كون الصراع السياسي السلمي بين الأحزاب وما تقدّمه من برامج سياسية للناخبين يرسمان شكل السلطة التشريعية/ البرلمان، من خلال انتخابات نزيهة وشفافة وسلسلة من القوانين الضامنة لصراع ديمقراطي حقيقي. فهل توفر في الانتخابات العراقية منذ الاحتلال الأميركي للبلاد ما يشير إلى نزاهتها وشفافيتها؟ وهل تغيّر شكل المشهد السياسي وحصص الأحزاب الطائفية القومية في السلطة؟
مقاطعة الانتخابات وتثقيف الجماهير على مقاطعتها لا يسحبان من السلطة الفاسدة شرعيتها فقط، بل تعتبر ميدانا للقوى الديمقراطية وجماهير شعبنا لخوض نضال سلمي واسع لتغيير ميزان القوى مستقبلا بما يتلاءم وتطلعات شعبنا ليحيا بكرامة وأمان
إنّ الفساد وسوء توزيع الثروة والبطالة والفقر والأميّة وغياب المشهد الثقافي الواعي وعدم إيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها شعبنا، وغيرها الكثير من قبل سلطة المحاصصة، تلعب جميعها دورا كبيرا في عدم تطور الديمقراطية في بلادنا وبقائها حبيسة المنطقة الخضراء والبيوتات الدينية والعشائرية والقبلية، وهذا ما يعلق عليه المفكر المصري سمير أمين قائلا إنها تعبر عن أزمة النظام الاستبدادي العام.
إنّ أصحاب المصلحة الحقيقية في بناء النظام الديمقراطي وانتشال العراق من الهوّة السحيقة التي وصل إليها بسبب نظام المحاصصة الطائفية القومية، ليست الأحزاب والمنظمات السياسية التي تحمل برامج ورؤى مختلفة عن برامج ورؤى القوى المهيمنة فقط، بل القوى الاجتماعية المختلفة في المجتمع والتي تضررت نتيجة حروب النظام البعثي والحصار القاسي على شعبنا، وصولا إلى ضياع ميزانياته الفلكية نتيجة الفساد والإرهاب ومنها إرهاب الدولة بميليشياتها أيضا. وهذا يتطلب منها ومن منظمات المجتمع المدني ترجمة جملة من المسائل جاءت في الدستور الذي تتبناه السلطة نفسها إلى واقع عن طريق تنظيم التظاهرات والاعتصامات والإضرابات، والتي لن تنجح إلا بقيام جبهة سياسية واسعة لمواجهة طغيان السلطة وفسادها.
من هذه المسائل حرية التعبير والتظاهر والتجمع، واحترام الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية، وإشاعة الثقافة الديمقراطية. وفي ظل التفاوت الكبير في موازين القوى بين أحزاب السلطة وتلك التي خارجها، يبقى وجود إعلام مرئي حر وديمقراطي وشجاع وموجّه لأوسع الفئات الاجتماعية ضررا، سلاحا قويّا في مواجهة ثقافة الجهل والتخلف والديماغوجيا التي ينتهجها إعلام السلطة وأحزابها.
ما يجري اليوم بالعراق هو شكل من أشكال الاستبداد الديني الطائفي بقناع ديمقراطي مشوّه، وعليه فإنّ أي عملية سياسية مرتبطة بهذا الاستبداد أو ناتجة عنه ومنها الانتخابات التشريعية القادمة لا تمثل النظام الديمقراطي، ولا تعرف من الديمقراطية إلا اسمها. كما أنّ القوى المتنفذة والمهيمنة على مقدرات البلاد ليست مؤهلة لبناء نظام ديمقراطي حقيقي بالبلاد، ناهيك عن بناء الإنسان العراقي ووطنه.
مقاطعة الانتخابات وتثقيف الجماهير على مقاطعتها لا يسحبان من السلطة الفاسدة شرعيتها فقط، بل تعتبر ميدانا للقوى الديمقراطية وجماهير شعبنا لخوض نضال سلمي واسع لتغيير ميزان القوى مستقبلا بما يتلاءم وتطلعات شعبنا ليحيا بكرامة وأمان.
زكي رضا

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It