ardanlendeelitkufaruessvtr

اليسار الجديد حركات تنفي العالم وتحاول تغييره

بقلم حسام الدين محمود فياض تشرين1/أكتوير 24, 2021 116

اليسار الجديد حركات تنفي العالم وتحاول تغييره

شباب ديمقراطي تحرري ومعارض يسعى نحو تغيير القيم الثقافية من خلال التمرد في محاولته لإيجاد قيم أخرى بديلة.

حركات شبابية تجمعها العواطف والواقع الشخصي

أطلقت كلمة اليسار الجديد (New Left)على الحركة الشبابية التي ظهرت في غرب أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، في أواخر خمسينات القرن العشرين لتمييزها عن الاتجاهات اليسارية التقليدية السابقة عليها. حيث وصلت ذروة تطورها واشتهار نفوذها في أواخر الستينات وتدنت أحوالها في السبعينات، ويجزم زعماؤها أن الطبقة العاملة قد أذعنت لعملية التحول إلى البرجوازية، ولم تعد قوة ثورية هامة، وإنّ على المفكرين الراديكاليين أن يوفروا القوة الثورية الجديدة الدافعة لتغيير الواقع الاجتماعي (عبدالوهاب الكيالي: موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الجزء 7، 1994، ص 412).

وعلى الرغم من اختلاف الرؤية الأيديولوجية لليسار الجديد عن اليسار القديم كلياً، إلا أنهما يشتركان في روحهما العامة التي تستهدف تغيير المجتمع القائم ) أحمد زايد: علم الاجتماع النظريات الكلاسيكية والنقدية، دار المعارف، القاهرة، 1984، ص 210).

يرى معظم المفكرين السياسيين والاجتماعيين أن اليسار الجديد ليس تنظيماً واحداً، بل هو عبارة عن جماعات متنوعة بعضها محلي وبعضها قومي وبعضها الآخر مؤقت تماماً، والآخر دائم. وأنصاره في غالب الأمر من الشباب الراديكالي الجامعي وغير الجامعي، يتصف بأنه ديمقراطي تحرري، ومعارض يعاني كثيراً من القلق إلى جانب أنه ليس معادياً للشيوعية، ويهتم هذا الشباب بإحداث تغيرات متنوعة في النظام السياسي والاجتماعي من خلال السلوك المباشر الذي يعتمد على الاحتجاجات والمظاهرات والمقاطعة، والعصيان المدني، كما أنه يتبنى في أشد صوره تطرفاً وسيلة العنف الفيزيقي (أحمد سليمان أبوزيد: نظرية علم الاجتماع والنقد الراديكالي، جامعة الإسكندرية، الإسكندرية، 1994، ص ص 140 – 141).

ويسعى أيضاً نحو تغيير القيم الثقافية، من خلال محاولته لإيجاد قيم أخرى بديلة تمثلت في اهتمامه بأدوار الفنانين وعملهم، باعتقاده أن عملهم يتضمن نقداً حاداً للقيم التقليدية السائدة. وينبثق أيضاً اهتمامه بالفن والجوانب الجمالية بصورة عامة في إيمانه بأن ما يحتاج إليه المجتمع الأميركي في ذلك الوقت قدر كبير من التغيير الثقافي أكثر من التغيير المادي (ألفن جولدنر: الأزمة القادمة لعلم الاجتماع الغربي، ترجمة وتقديم: علي ليلة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، المشروع القومي للترجمة، العدد:667، ط1، 2004، ص 595).

بهذا نجد أن شباب اليسار الجديد يعبّر عن جماعة مجال تنحصر جلّ مسلّماتها الأساسية في نحو التطلع إلى بناء جديد من العواطف والواقع الشخصي الذي يتضمن الحرية ورفض الحروب، والتأكيد على التلقائية والكرامة والابتكار والمساواة. بعكس ما هو سائد في المجتمعات الغربية وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية” (عبدالرازق جلبي وآخرون: نظرية علم الاجتماع، الاتجاهات الحديثة والمعاصرة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2006، ص 328).

تاريخياً يرتبط اليسار الجديد بالحركات الاجتماعية *، تماماً كما يرتبط بحركة النقد الاجتماعي واسعة النطاق للنظام الرأسمالي. فقد ربط اليسار الجديد نفسه بحركات الاحتجاج الاجتماعي: حركة الزنوج، وحركة الطلبة، وحركة السلام. حيث أصبحت حركة النقد التي قادها زعماء اليسار الجديد ومعاصروه بمثابة المحرك والمساند لهذه الحركات الاجتماعية (أحمد زايد: علم الاجتماع، النظريات الكلاسيكية والنقدية، مرجع سبق ذكره، ص211). بالإضافة إلى توجيه اهتماماته نحو العديد من القضايا الاجتماعية، التي تعدت حدود كونها قضية دفاع عن فئة معينة، عبر النشاط الملحوظ الذي أبداه العديد من اليساريين الجدد في مجال حقوق الإنسان وحقوق الحيوان وحماية البيئة وحرية الرأي والتعبير، فمثلت تلك الاهتمامات والتوجهات بمجملها تحدياً ورفضاً واضحاً للبناء الاجتماعي القائم، وللنظرية الاجتماعية التي تدعم وتساند هذا البناء المزيف. ممّا أدّى إلى انبثاق قوى الصراع الكامنة في قلب هذا البناء، التي تسعى النظرية جاهدةً من خلال ارتباطها بمشكلة النظام نحو محاصرتها وتضييق الخناق عليها.

بمعنى أن ظهور اليسار الجديد تزامن مع ظهور وتفجر قوى الحركات الاجتماعيةSocial Movements  الرافضة لسياسات وأيديولوجيات الغرب، الساعية إلى تحليل هياكل السلطة الرأسمالية الحديثة، في مختلف المجالات لتوضيح التناقضات بغية تحديد المهمة الرئيسية لهذه الحركات، فعلى سبيل المثال ترى هذه القوى أن الأحزاب الليبرالية والديمقراطية الساعية إلى الإصلاح والرفاه الاجتماعي في معالجة، مشاكل وقضايا المرأة فقد فشلت في تحقيق هذه المهمة، ناهيك عن إخفاقها أيضاً في الحد من مشاكل الفقر والتفاوت الاجتماعي، فعلى العكس تماماً هناك ازدياد مطرد للنزعة الاستهلاكية الثقافية الجديدة، وأيضاً هناك ازدياد واسع لأشكال السيطرة والاغتراب. فالدولة نفسها قد أصبحت هي التكنوقراطية وشرعيتها تبقى على نحو متزايد عرضة للتساؤل، لذا نجد أن اليسار الجديد حاول أن يتبنى أغلب هذه الحركات. لمزيد من القراءة والاطلاع انظر:Geoff Andrews, Richard Cockett: New Left, New Wright and Beyond – Taking the Sixties Seriously, Macmillan Press LTD, London, 1999, p. 74 ).

أما فكرياً “فقد تطورت الأفكار الاجتماعية النقدية لليسار الجديد في العالم الغربية وبالأخص أميركا في ستينات القرن الماضي بتأثير من الماركسية الجديدة التي تبنت كتابات ماركس المبكرة ذات الطابع الإنساني

Doyle Paul Johnson: Contemporary Sociological Theory – An Integrated Multi-Level Approach, Texas Tech University, 2008, p: 577). ، حيث صاحب ظهوره ظهور حركة فكرية ذات طابع نقدي تهدف إلى نقد البناء الاجتماعي الغربي وما يعانيه من مشاكل، بالإضافة إلى نقد البناء النظري السوسيولوجي، تعبيراً منها عن رفضها لكل ممارسات المجتمع الرأسمالي وما يرتبط به من أيديولوجيات ونظريات.

*(بمعنى آخر يمكن لنا القول إن مهام النقاد في تلك الحركة هو التنظير النقدي للكشف عن المشكلات التي يعاني منها البناء الاجتماعي تمهيداً لربطها بالإطار العام والشامل لهذا البناء، وللكشف عن القوى الفاعلة التي تتحكم فيه، بالإضافة إلى تقديم “أساليب عملية لتغيير المجتمع إلى الصورة المثلى التي توصل إليها من خلال تحليل الأوضاع القائمة” (سمير نعيم أحمد: النظرية في علم الاجتماع، دراسة نقدية، دار هاني للطباعة والنشر، القاهرة، 2006، ص 271). بينما نجد أن من مهام الحركات الاجتماعية هو محاولة تغيير البناء الاجتماعي بالاستناد إلى التنظير النقدي عن طريق ممارسة كافة أشكال الضغوط في سبيل تغييره. بهذا نجد أن وحدة الفكر والممارسة قد تحققت تحت مظلة اليسار الجديد الذي يعبّر عن مظاهر الصراع الفكري والبنائي في المجتمعات الرأسمالية الغربية.

يعتبر كلاً من رايت ميلز Wright Mills  وهربرت ماركيوز Herbert Marcuse  من أهم منظري اليسار الجديد في منتصف ستينات القرن الماضي. وهما اللذان يعتبران بمثابة الأب الروحي لحركات اليسار الجديد، وبالأخص حركة الطلبة عام 1968 التي “استقت جزءًا كبيراً من قوامها وممارستها الراديكالية من فكرهما باعتبارهما من الأعضاء البارزين من المستويات العليا للرئاسة الأكاديمية ” ( توم بوتومور: علم الاجتماع من منظور اجتماعي نقدي، ترجمة عادل الهواري، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1985، ص 260). فقد وضّح لنا الفكر السوسيولوجي لميلز كيفية التعامل مع النظريات السياسية الليبرالية، والديمقراطية بالمنظور النقدي الذي لا يكتفي بالاقتصار على الفكر السياسي باعتباره نظرية بل يتعدى ذلك إلى الفحص السوسيولوجي لكيفية عمل النظرية السياسية في الواقع، والشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تمارس في إطارها الديمقراطية الحديثة (أشرف منصور: النقد المعاصر للفكر السياسي الليبرالي، تقديم: مهدي بندق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الكتاب الأول، 2003، ص 61 – 62). وذلك من خلال نتاجه الفكري الذي تجسد بأهم كتبه منها: صفوة القوة The Power Elite  عام 1956، والخيال السوسيولوجي The sociological Imagination عام  1959، “حيث قدم ميلز فيهما تحليلات نظرية نقدية لفتت أنظار الكثير من الباحثين آنذاك نحو الأيديولوجية الإمبريالية السائدة في المجتمع الأميركي، وسعيها نحو الحفاظ على الوضع الراهن، كما حاول ميلز أيضاً الكشف عن مظاهر الوعي الزائف بين أفراد المجتمع الناجم عن تسلط الصفوة السياسية في ممارسة السلطة واتخاذ القرارات” (عبدالرازق جلبي وآخرون: نظرية علم الاجتماع، الاتجاهات الحديثة والمعاصرة، مرجع سبق ذكره، ص ص 334 – 335)

أما ماركيوز فقد عكست آراؤه قدرة فائقة على استيعاب أحداث العصر، حيث استطاع من خلالها تأمل الأبنية الفكرية بهدف محاولة تغييرها، وبالتالي تغيير المجتمع ذاته. حيث صاغ في كتابه “الإنسان ذو البعد الواحد” عام 1960 فلسفة اليسار الجديد، فأنتج أفكار نقدية بالغة الأهمية سعى من خلالها إلى كشف ممارسات ومفرزات العقل الأداتي) العقلانية التقنية )** في المجتمع الصناعي المتقدم وانعكاساتها السلبية على الإنسان داخل ذلك المجتمع، كما انتقد العقل الأداتي وما آلت إليه الحداثة الغربية الرأسمالية أو الاشتراكية عبر التطورات الاقتصادية والتكنولوجية التي شيئت كل شيء حتى الإنسان، لذلك يعتبر مفهوم الإنسان ذو البعد الواحد من أهم المفاهيم التي حللها وناقشها ماركيوز، ويعني “الإنسان البسيط غير المركب”، فالإنسان ذو البعـد الواحد هو نتاج المجتمع الحديث، وهو نفسه مجتمع ذو بعد واحد يسيطر عليه العقل الأداتي والعقلانية التكنولوجية والواحدية المادية، وشعاره بسيط هو التقدم العلمي والصناعي والمادي وتعظيم الإنتاجية المادية وتحقيق معدلات متزايدة من الوفرة والرفاهية والاستهلاك، بحيث تهيمن على هذا المجتمع الفلسفة الوضعية التي تطبّق معايير العلوم الطبيعية على الإنسان، وتدرك الواقع من خلال نماذج “كمية – رياضية” وتظهر فيه مؤسسات إدارية ضخمة تغزو الفرد وتحتويه وترشّده وتنمطه وتشيئه وتوظفه لتحقيق الأهداف التي حددتها (لمزيد من الاطلاع انظر: حسام الدين فياض: تطور الاتجاهات النقدية في علم الاجتماع المعاصر، دار كريتار، إسطنبول، ط1، 2020، ص ص 47 – 52).

 ** (نوع من التفكير في المجتمع الصناعي الحديث يصفه ماركيوز بالتفكير ذي البعد الواحد، يتضح ذلك من خلال التفكير العلمي والتقني المعبر عنه في الوضعية والبراغماتية، وعليه فإن العقل الأداتي هو منطق في التفكير وأسلوب في رؤية العالم. ويرى لوكاش أن المستوى الاقتصادي للمجتمع الرأسمالي منظم بطريقة تجعل العلاقات بين البشر تبدو كما لو أنها علاقات بين أشياء، وأن نظرة البشر لأنفسهم ولغيرهم تغدو كنظرتهم للأشياء المادية، وأن العالم الاجتماعي أصبح يبدو كما لو أنه “طبيعة ثانية” إلى جانب العالم الطبيعي الأصلي، وأصبح كالطبيعة نفسها غير قابل للتغيير ومستقلاً عن أفعالنا)

أما عن اتجاهه النظري والمنهجي فقد تمثل في رفضه السلبي للمجتمع القمعي القائم، من خلال الثورة عليه للتأكيد على الدور الثوري والحاسم للعقل، في حياة الإنسان الاجتماعية، ولتجنب النظر إلى المجتمع الإنساني نظرة ذات بعد واحد. وتتلخص وجهة نظره في آلية تغيير الواقع والثورة عليه، بضرورة التأكيد على الانفصال عن النظام القائم وتبني قيم مضادة له، من خلال العنف الذي تقوم به جماعات تُدعى بالجماعات الخارجة على النظام، والتي تضم الطلبة، والزنوج، والفقراء، والفئات الهامشية في المجتمع. لأنه رفض الفعل الثوري والنضالي الذي ستقوده البروليتاريا في عملية التحول إلى ما بعد الرأسمالية المتسلطة، لعدم إيمانه بقدرتها على القيام بهذه العملية، لأنها لم تعد القوة الاجتماعية الصالحة للقيام بدورها التاريخي في الإطاحة بالنظام الرأسمالي (حسام الدين فياض: تطور الاتجاهات النقدية في علم الاجتماع المعاصر، مرجع سبق ذكره، ص ص 123 – 124).

وفي النهاية يمكننا تعريف اليسار الجديد بأنه “حركة نفي للعالم، أنه يمثل قوة بناءة ترفض العالم من أجل تغييره. ويرتبط رفض العالم من أجل تغييره إلى الأفضل بتصور فكري أو يوتوبيا معينة يعملون على تخطيها وتحويلها إلى واقع. كما أن اليسار يرغب دائماً في التقدم، ويتوق إلى أن يسيطر الإنسان على مصيره، وهو ينظر إلى نفسه على أنه منتصر في النهاية وينظر إلى البرنامج الذي يطرحه على أنه نفس الشيء الذي تأمل في تحقيقه الإنسانية على مر الزمن” (أحمد زايد: علم الاجتماع، النظريات الكلاسيكية والنقدية، مرجع سبق ذكره، ص ص 209 – 210). إذن اليسار الجديد، يُعنى بـالحرية، والمدنية، والتخيّل، والاختلاف، والثورة، من دون اعتقاد دوغمائي (الجمود الفكري) بالشيوعية والماركسية، وبذلك فهو نفي لعالم قائم بإثبات عالم ممكن جديد.

حسام الدين محمود فياض

باحث وأكاديمي سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It