ardanlendeelitkufaruessvtr

ما ضاع في الطفرة لا يتحقق في الفتات

بقلم صابر بليدي تشرين2/نوفمبر 24, 2021 79

ما ضاع في الطفرة لا يتحقق في الفتات

 

السلطة التي وفقت في الالتفاف على مطالب التغيير السياسي وفي الحفاظ على نفسها من فورة الشارع رسبت في كل الاختبارات الأخرى التي دخلتها بداية من الاستحقاقات الانتخابية وصولا إلى التنمية الداخلية.

لا حلول في الأفق

دأب أصحاب القرار في الجزائر على إثارة الصخب مع كل أزمة عارضة أو انهيار لأسعار النفط، فمنذ ثمانينات القرن الماضي والحكومات المتعاقبة تتحدث عن الاقتصاد البديل والتحرر من تبعية النفط، لكن سرعان ما يخفت ذلك الصخب ويهدأ خطاب السلطة مع عودة الأسعار إلى مستويات ذات مردودية تكفيها شر شراء السلم الاجتماعي وتهدئة موجات الغضب في الشارع.

وفي الظروف الراهنة تسود نفس المعطيات، فبعد زهاء ست سنوات من تقلص عائدات النفط، وفقدان السلطة لآمال عودة مداخيل الريع، ولجوئها إلى رصيد النقد الأجنبي لتغطية الإنفاق العام، أعاد الارتفاع المسجل في أسعار النفط السيناريو المذكور إلى الواجهة، ولا يستبعد أن يكون مدعاة جديدة للتراخي تجاه الرهان المرفوع.

وبموازين عاجزة تتجه الحكومة إلى مواجهة لهيب الغضب الشعبي، وعزاؤها في مداخيل إضافية ستأتي بها أسعار النفط والغاز المرتفعة في الأسواق الدولية من أجل تجاوز المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد، وإذا كانت التجربة السابقة في التعاطي مع العائدات الضخمة للمحروقات لا زالت ماثلة للعيان، فإن أول تحد تصطدم به هو إقناع الجزائريين بأن المداخيل الجديدة هي بين أيد أمينة، ولا يمكن للأيادي الملطخة أن تطالها.

لكن أزمة الثقة المستفحلة بين السلطة والشارع تبقى أكبر من أي محاولة لرأب الصدع، فالسلطة التي لم تستطع إقناع شعبها بالانخراط في مسارها السياسي والانتخابي، وأخرجت استحقاقاتها الانتخابية بعمليات قيصرية، وباتت تقتنع بالإقبال المتواضع على الانتخابات رغم ما لذلك من انعكاسات على شرعية المؤسسات المنتخبة الجديدة، فإنه من الصعب عليها الرجوع الآن إلى نفس الشعب لتطمئنه على مصير أي فلس زائد من عائدات الطاقة.

وما فشل الحكومة في إقناع الشارع بخطوة رفع يديها عن الدعم الشامل للمواد الاستهلاكية إلا انعكاس لأزمة الثقة المستشرية، فهو يعيش منذ سنوات فوضى توزيع “قفة رمضان” التي توجه للعائلات المعوزة خلال شهر الصيام، ودخول البيروقراطية والمحاباة والمحسوبية كمعايير توزيع في ظل غياب الرقمنة والرقابة والمؤسسات الحقيقية التي عجزت عن إعداد خرائط اجتماعية للسكان، الأمر الذي يفقد أي أمل في نجاح ذات الحكومة في توزيع الدعم الاجتماعي الفردي ووصوله إلى أصحابه الحقيقيين.

وبقدر ما يحسب للرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة استحداث صندوقي الإيرادات بالعملة المحلية والأجنبية اللذين أنقذا الجزائر لحد الآن من اللجوء إلى الخارج بغرض الاستدانة، فإن ما دار حول إنفاق مداخيل فاقت الألف مليار دولار خلال السنوات الخمس عشرة الأولى من حكمه من ممارسات تبديد وتبذير وفساد، ضرب في الصميم أي أمل في التكامل بين السلطة والشارع ليتم قبول هذا الخطاب أو ذاك.

السلطة التي وفقت في الالتفاف على مطالب التغيير السياسي الشامل وتسليم السلطة لثورة الشعب، وفي الحفاظ على نفسها من فورة الشارع، رسبت في كل الاختبارات الأخرى التي دخلتها، بداية من الاستحقاقات الانتخابية وصولا إلى التنمية الداخلية، مرورا بالأوضاع الإقليمية والدبلوماسية، وهي على وشك الإخفاق مجددا باللجوء إلى معالجة مشكلة باستحداث مشاكل أخرى.

فهي إن أرادت تقنين وعقلنة الدعم الاجتماعي الذي يستنزف الخزينة العمومية بأكثر من 15 مليار دولار سنويا، والحد من الاختلالات العميقة في الحسابات والموازين المختلفة، فإنها تسرع الخطى إلى إشعال فتيل مجهول العواقب، لأنها فكرت في اكتناز المبلغ المذكور قبل أن تضع البدائل المقنعة والمطمئنة.

وإذ زعمت تقليص فاتورة الواردات من نحو 50 إلى حوالي 30 مليار دولار، فإن ذلك لم يأت من بدائل اقتصادية أو تصورات ناجعة، بل على حساب حاجيات المجتمع، فصار المريض لا يجد دواءه، والمُصنّع فقد المادة الخام، والفلاح لم يعثر على البذور، فاختلت الموازين الاقتصادية وتفاقمت الاضطرابات الاجتماعية.

التوقعات الرسمية تذهب إلى تحقيق عائدات بنحو 30 مليار دولار كعائدات نفطية وغازية بعد الارتفاع المسجل في الأسعار، لكن الغموض يكتنف مصير الفائض المحتمل، والمخاوف التي أحاطت بمقدرات البلاد في السابق هي نفسها التي تحوم الآن في ظل غياب الشفافية والرقمنة والمؤسسات الشرعية التي بإمكانها مساءلة ومحاسبة السلطة التنفيذية.

أثناء حديث لي مع خبير اقتصادي أكد لي بأن الجزائر أمام خيارين لا ثالث لهما لتجاوز الأزمة الحالية وأنه أحلاهما مر، فهي إما أن تستمر في تخفيض قيمة العملة المحلية (الدينار)، أو طبع المزيد من الكتلة النقدية، وفي كلتا الحالتين فإن القدرة الشرائية هي الضحية الأولى، فضلا عما يرافقها من تضخم وتوسع للفقر واشتعال للأسعار، وهذا السيناريو لا تنفذه إلا حكومة نابعة من إرادة الشعب يثق فيها وفي خياراتها إلى أن تخرج به إلى بر الأمان، وما عدا ذلك فلا أمل فيه.

وتحيلنا فرضية الخبير الاقتصادي إلى مسألة الإصلاحات السياسية الحقيقية واستعادة ثقة الشارع عبر انخراط جماعي وانتخابات شفافة ونزيهة، هي القاعدة التي تنطلق منها الرغبة والإرادة في الخروج من الأزمة، لأنه في ظل الظروف السائدة لا أمل في أي عائدات مالية عارضة أو مستقرة لتنفيس الاحتقان بسبب استمرار نفس الآليات في تسيير الشأن العام، بما فيها خطاب السلطة الذي لا يقنع أحدا بمن فيهم هي نفسها، حيث لا زالت أخبار الفساد والرشوة والمحسوبية والمحاباة تشكل عناوين كبرى في يوميات الجزائريين آخرها القاضي ورئيس المحكمة الذي ضبط متلبسا برشوة تقدر بما يعادل أكثر من 300 ألف دولار في ثاني أكبر مدينة بالبلاد (وهران).

قال الخبراء خلال الطفرة النفطية الأخيرة إنها ستكون الفرصة الأخيرة أمام الدول النفطية، وعلى رأسها دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإما أن تستفيد من الطفرة وتحقق النهضة الشاملة، أو تفشل وتضيّع الفرصة إلى الأبد، وهو ما حدث مع الجزائر التي أضاعت عائدات بأكثر من ألف مليار دولار، ولم يعد يكفيها العائد العارض، فمن لم يأت مع العروس لا يأتي مع أمها.

صابر بليدي

صحافي جزائري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It