ardanlendeelitkufaruessvtr

أيُّ فِـدائـيٍ كـان ..؟

بقلم طامي صعب الجبوري أيار 31, 2017 685

 

طامي صعب الجبوري

 

الـشـهـيـد حـمـد إسـمـاعـيـل حـمـود

عنوانٌ كبير لما سيأتي من سردٍ لقصةٍ حقيقيه ليست من نَسج الخيال .

 مَنْ وُلِد على الفطره الصحيحه سيبقى محتفظاً بخِصالها مهما طرأت عليه المُتغيرات ، هكذا كان بطلُنا حـمـد ... ولِنَدع والده يقص علينا قِصة البطوله تلك : بدأت كلماته وقد غمرتها الدموع .. ليس حُزناً او جَزعاً وإنما افتخاراً وتباهٍ بصنيع ولده .

بَطلنا حٓمـد من مواليد 1989 خريج معهد النفط وطالب في كلية العلوم السياسيه / المرحله الثالثه جامعة تكريت .

تبدأ قصتنا معه في اليوم الذي احتل فيه الدواعش الانجاس مدينة تكريت وكان هناك جنودٌ عراقيين في قاعدة سبايكر المعروفه حيث اتصلت الدكتوره طاهره من جامعة بغداد بصديقتها الدكتوره سهاد الاستاذه في كلية العلوم السياسيه / جامعة تكريت .

والتي بدورها اتصلت بأحد طلابها والمعروف عنه انه شهم وشجاع ويحمل صفات الرجال الطيبه ( حـمـد ) أخبرته بان هناك جندي اسمه مهند في جامع الحمزه بن عبد المطلب الكائن في قرية الحجاج (22) كم شمال قاعدة سبايكر فذهب حمد الى الجامع ولكنه لم يجد مهند فاتصل بالدكتوره وأخبرته إنه في سبايكر فذهب بطلنا حمد مباشرةً الى قاعدة سبايكر وعند بابها الرئيسي اتصل بمهند بعد ان اعطته الدكتوره سُهاد رقمه .

جاء مهند ومعه عشرة جنود وكان حمد يقود سياره أوبل ستيشن حمراء اللون تتسع لهذا العدد في ظل هذا الظرف الطارئ وكان هناك قصف عشوائي أصاب سيارة حمد بأضرار في بدنها ، رفض خمسةٌ من الجنود المجئ مع حمد بينما صعد معه الباقين ( مصطفى ، علاء باقر ، علي هادي ، مهند وصفاء )

يقول والده رجعت ذلك اليوم الى المنزل فوجدت شباب يرتدون ( تراكسوتات ) وكانوا وجلين خائفين فأخبرتهم انهم بين اهليهم وإننا لن نسلمهم الى احد حتى لو كان ذلك على جُثتي وجثث ابنائي ، ولكنهم لم يطمئنوا  .. وكان والد حمد ضابطاً في القوه الجويه فأتصل بصديقٍ له ضابط طيار من البصره اسمه ( مزاحم مطشر عجمي المالكي ) من سكنة القُرنه وجعله يتكلم مع الجنود الخمسه واحداً تلو الآخر ويطمئنهم بإنه يعرف اهل قرية الحجاج وهُم من العشائر الأصيله ولايُسلمون ضيوفهم لأيٍ كان وهم ضد فكر داعش التكفيري ، وبعدها طلب ابو حمد منهم الاتصال بأهلهم وأخبارهم بأنهم في بيت ( اسماعيل حمود صالح ) من قرية الحجاج وقد تحدث معي احد آباء الجنود وقال لي : أُحلِفك بالعباس والحسين لاتتركون اولادنا يقول ابو حمد فتكلم معه حمد وقال له : أُقسم بالعباس والحسين لن اتركهم حتى أهلك دونهم ، فكأنما كان يستشعر نهايته  ، عندئذٍ تنفس الجنود الصُعداء ، ظل الجنود في بيت ابو حمد ستة أيام وكانت هناك اتصالات مُكثفه من قبل حمد ووالده لكيفية إيصالهم الى الضفه الأُخرىٰ من النهر .

في هذه الأثناء بدأ الدواعش بتفتيش المنازل بحثاً عن مختبئين فارين من سبايكر ( على حد قول الدواعش  ) وكان هناك اتصال من قبل الشيخ خميس الجباره ( العلم ) بالشيخ أسد احمد الصالح ( الحجاج ) لتنسيق الجهود لتأمين عبور الجنود بسلام الى العلم ، في اليوم السادس ذهب حمد وصفاء بالدراجات الهوائية الى منطقة المقالع حيث من المفترض ان تكون المثابه ( مكان الإلتقاء ) والذي سيإتي فيه احد الأشخاص من العلم لينقلهم الى الضفه الأُخرىٰ وكان ذلك بالتنسيق أيضاً مع العقيد حسن السلامه صديق أبو حمد .

قُلْنَا ذهب حمد وصفاء بالدراجات الهوائية وتبعهم على إثرهم والد حمد وأبناءه آزر ومناف وأخيه الحاج احمد ابو معاذ ، في هذه الأثناء تلقوا اتصالاً بأن مكان اللقاء تغير الى منطقة مقالع البوطعمه والتي تبعد مسافه طويله عن مقالع الحجاج فيقول والد حمد مشينا قرابة الساعه والنصف للوصول الى المكان الجديد انا وحمد والجنود الخمسه وتركت ابنائي وأخي في مكان مرتفع لتأمين الحمايه لنا وإخبارنا عن اي حركه من قبل الدواعش الذين يتواجدون هناك ، وصلنا المكان المعهود وإذا به عباره عن ( جزره ) في وسط دجله والقارب في الضفه الأُخرىٰ من النهر وكانت الحفارات قد أحدثت أخاديد عميقه في النهر فكانت المسافه بين حافة النهر الى الجزره الوسطيه ( 15 ) متر ومن الجزره الى الضفه الأُخرىٰ قُرابة ( 50 ) متر كانت المسافه الاولىٰ صعبه جداً والمياه فيها عميقه وسريعه وتحدث مثل الدوامات والجنود لايُجيدون السباحه وكان بطلنا حمد والكل يعرفه سباح فهو ابن دجله وجروفها .

تم نقل الجنود الى الجزره وبجهود كبيره أتعبت حمد لتبدأ المرحله التاليه لنقلهم الى الضفه الأُخرىٰ ، عَبَر حمد سباحةً لكي يستطلع من في الضفه الأُخرىٰ وعبر معه صفاء وفِي منتصف الطريق بدأ صفاء بالغرق فقام حمد بسحبه بجهد كبير وإيصاله الى الضفه الأُخرىٰ وهكذا بالنسبه للآخرين وعند الجندي الرابع وكان حمد راجعاً من الضفه الأُخرىٰ بدأ يُنادي والدي والدي وقد أعياه التعب وغاص عميقاً في الماء فيقول والده وقد هرعت اليه وبعد بُرهه خرج من الماء وكانت تحته دوامه أُحدثت بفعل الحفر الجائر للنهر فيقول وصلت اليه وكان يلفظ أنفاسه الأخيره فحاولت سحبه ولكن دوامة الماء تجعلك تدور  في ذات المكان وبعد ربع ساعه اوصلته الى الشاطئ فقام مهند بعمل تنفس اصطناعي له ولكن دون جدوى فقد اختاره الله شهيداً الى جواره .

كان حٓمد يردد دائماً مقولةً يحفظها والده ( تره الزينات مو كل واحد يسويها ) وهنا بدأ الجنود في الضفتين بالبكاء والنحيب عليه وأقسموا بإنهم لن يذهبوا ويتركوا حمد جُثه هامده فيقول والده قلت لهم لقد أقسم حمد أن يوصلكم إلى بر الأمان اذهبوا بحفظ الله ورعايته وأخبروا أهليكم بإننا لانُسلم ضيوفنا حتى ولو كان الثمن أرواحُنا كما أقسمنا لهم .

لتبدأ المرحله الأخيره التي رسمت فيها الحاجه أُم قُصي درساً آخر في التضحيه والفداء .

ابو حمد في هذه الضفه يحتضن ولده بين ذراعيه ويبكيه ، لايرضى أن يُغادر المكان حتى تُنجز المهمه بعبور كل الجنود الى الضفه الأُخرىٰ بأمان ، فما بين الضفتين إختصارٌ لقصة شعبٍ عاش على هذه الارض متآخياً موحداً مهما حاول الخُبثاء دس السُم في افكارهم وعقولهم .

مابين الضفتين تصويرٌ رائع لأُناسٍ علموا البشريه ماوصلت اليه اليوم من تطورٍ وإزدهار ومابين الضفتين أيضاً تجسيدٌ رائع لإنسانيتنا الحَقَّه ومعدننا الاصيل الصافي .

وهنا أطرق أبو حمد وهو يقص ماحدث  ...

مايُبكيك ياأبا حمد ؟ والدموع تتساقط بغزاره وكان جالساً على الارض .

تمنيت ياأبا عمر ان يكون حمد حاضراً الآن ليرى حُسنَ صنيعه فقد كانت نهايته نهاية الابطال وحسبك من خاتمةِ حياة الرجال مايُشرف أهله وذويه فقد اصبح حمد محطَّ فخرٍ لأبيه وأمه وإخوته وابناء قريته وكل الشرفاء .

وهاأنتذا قد أتممت مسراك ...

فلصباحك الحمد يا حـمـد ..

ولذكراك المجد والعطر والخلود ..

سلامٌ على حمد في محياه وأخراه ...

وسلامٌ .. ثم سلامٌ على سيرته وذكراه .

قيم الموضوع
(4 أصوات)

صحيفه الحدث