ardanlendeelitkufaruessvtr

ألفة الشاي

بقلم لطفية الدليمي حزيران/يونيو 14, 2017 74

ألفة الشاي
لطفية الدليمي
منذ سنوات بعيدة اتخذت الشاي شرابا أثيرا لا يدانيه شراب آخر ولولعي به قرأت مصادر كثيرة عن هذا الشراب السحري وعلمت من بعضها أن الرهبان البوذيين المعتكفين في الأديرة للتأمل والعبادة هم أول من استخدم الشاي عندما اكتشف أحدهم نبتة الشاي مصادفة وأغوته رائحة الأوراق الشذية فقطفها ومضغها واستطاع مواصلة السهر طوال الليل ليؤدي طقوس التعبد، فأطلق الرهبان اسم “خمرة الصالحين” على الشاي قبل أن يتوصلوا إلى ابتكار طرق تصنيعه وتجفيفه وتخميره، وقيل إن راهبا راقب الماعز الجبلي الذي يواصل الصحو أياما فاكتشف أنه يرعى أوراق الشاي، وعرف الناس أن تنشق عبير أوراق الشاي يخفف من الكرب.
ثمة قرى لا تحصى في جبال الصين تأسست حياتها على ثقافة الشاي، يزرعه سكانها ويقطفون الأوراق العطرة ويجففونها بطرق تقليدية ثم يخمرونه ويصنعون الشاي الأبيض والشاي الأخضر والشاي الأحمر ويصدرونه عبر طريق الحرير إلى غرب آسيا وأوروبا، وفي تلك القرى يقيمون طقوسهم الاحتفالية تحت غمائم أشذائه ويقدمون قرابينهم في المعابد كؤوس شاي أبيض مع البخور لاسترضاء الأسلاف.
قبل سنوات بعيدة كان الشاي يرافق شروعي في الكتابة كل صباح عندما كانت لي مكتبة عامرة قبل خروجي من العراق، يحضر الشاي الأليف على منضدة الكتابة ليغمرني شذاه السحري كترياقٍ شافٍ ويحصنني من عنف العالم وتفاهة كل شأن يومي عابر ويهيئني للعمل والاستغراق في عالم التخييل مع شخوص قصصي ورواياتي، وتكتمل طقوسي الصباحية مع باقة زهور من حديقتي وعندما تأخذني الكتابة لعوالم أخرى أنسى الشاي فيبرد لأقوم بتحضير قدح ثانٍ وثالث يلاقي المصير ذاته، وكأن الحكاية تمرين مساند لفعل الكتابة وتعويذة تحقق انعزالي عما يضج خارج نافذة المكتبة.
كان الشاي وسيبقى بالنسبة إلينا نحن العراقيين رفيق صباحاتنا وأماسينا وأيامنا مهما تناقضت أمزجة الأيام ووقائعها المبهجة والأليمة واحتشادها بالأحزان والفقدانات والأفراح؛ فنحن نشربه في الأعراس وحفلات الخطوبة والمآتم ونحتسيه على الطرقات النائية بين بغداد والقرى وبساتين النخيل، ويقدم لنا عندما نعود مريضا أو نبارك بتخرج فتى أو فتاة أو بإياب من سفر.
ولطالما احتسينا الشاي في مقاهي الجبال عندما كنا نقصد مصايف الجبل ونستريح من عناء السفر تحت أشجار التين والتفاح وسقائف العنب المطلة على الوديان الخضراء وحقول القمح الذهبية المحصودة والقرى المتناثرة على السفوح وأمامنا خبز قمح ولبن جبلي وإبريق شاي فوق جمر أكواز الصنوبر.
كنت أهيئ الشاي الأخضر الصيني أو الأحمر الهندي وأسكبه في أكواب بورسلين أخضر منقوشة برسومات خيزران وطيور غرانيق مع صحبة طيبة وموسيقى صينية أو صوفية مشرقية تشيع حولنا أجواء تأمل وصفاء روحي نقاوم بأنغامها وطأة أماسي الحروب ونبتغي برهة سلام نسهو فيها عن أحزاننا وأهوال الزمن. وفي أجواء طقوس الشاي الأليفة، اكتشفت منذ أعوام أن مذاق الشاي يحتفظ بأصالة نكهته إذا ما شربناه صرفا -كما يفعل الآسيويون- من دون إضافة السكر له، ثم لكي أمنح طقس الشاي لمسة محلية من ابتكاري اعتدت احتساءه مع حبات تمر في جميع الفصول.
كنا غالبا نحضر شاي العصر على الجمر أو في السماورات المزخرفة المجلوبة من تبليسي أو سمرقند ونوقد الفحم في جوفها وفوقها إبريق شاي خزفي ليتمازج عبير الشاي مع دخان الفحم وعطر ماء الورد الذي ترشه الأمهات لتفريج الهموم وشفاء الصبايا المراهقات من كآبة المساء بينما تموه الفتيات خفقان قلوبهن العاشقة بتناول المعجنات والفواكه المجففة.
كاتبة عراقية






سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)