ardanlendeelitkufaruessvtr

الرياض وبغداد.. هل انكسر الحاجز

بقلم د. ماجد السامرائي حزيران/يونيو 20, 2017 261

الرياض وبغداد.. هل انكسر الحاجز
د. ماجد السامرائي
لا تفهم زيارة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الأخيرة للرياض، وما أعلن سعودياً من جدية في بناء علاقات متطورة مع العراق في حدودها الدبلوماسية العابرة، بل لا بد من وضعها في ظرفها الاستراتيجي الخاص الذي يمر به العراق ودول المنطقة خصوصا في مرحلة ما بعد تحرير الموصل والقضاء على داعش، واستمرار الحملة العالمية ضد الإرهاب حيث يقف العراق في مقدمة البلدان التي احترقت بنيرانه.
يكتسب العراق خصوصيته وهو دائما كذلك لموقعه في قلب صراع المصالح الإقليمية والدولية بعدما وضعته إيران في مركز مجالها الاستراتيجي الحيوي وقوة نفوذها التي تكونت ونمت بسرعة داخل العراق بسبب الولاء الأيديولوجي للحكومات العراقية بعد عام 2003، والتي ابتعدت في سياساتها عن الهوية الوطنية والعمق العربي.
وكان عزل العراق هدفا إيرانيا مركزيا رغم صعوبة تحقيقه على المستوى الإنساني لأن عرب العراق، شيعة وسنة، يمتلكون امتدادات اجتماعية وقبلية مع جيرانهم في الكويت والسعودية والأردن.
لكن أساليب التثقيف ضد كل ما هو عربي تنوعت واستثمرت بعض السياسات الرسمية لعواصم عربية كانت تنفذ أجندات إيذاء العراق، ورحب بعضها بوقوعه في محرقة الطائفية المقيتة، بل بنت بخباثة القطب السني المتطرف مقابل الشيعي المتطرف لكي تتوازن قوى لعبة التخريب ضد أبناء العراق وجيرانهم العرب.
إضافة إلى العامل المهم المتعلق بالخصومة الأيديولوجية والاستراتيجية حول الزعامة بين إيران والسعودية لدرجة الاندفاع الغوغائي لوصول العراق في علاقاته بالسعودية درجة القطيعة تحت تبريرات طائفية منغلقة تـركت آثارها السلبية على شعـب العراق.
رغم أن المملكة العربية السعودية كانت من أولى البلدان العربية التي رحبت بإزالة نظام صدام حسـين، بل سبـق لهـا وأن أنشـأت وشجعت واحتضنت فصائل وشخصيات معارضة عراقية ضد نظامه، خصوصا بعد احتـلاله للكـويت في أغسطس من العـام 1990.
وقائع التاريخ تقول بأن نظام صدام كان منذ وصوله للسلطة خصما لدودا للسعودية ولتيـارها الديني “الوهابي” سبقـت خصومته لحزب الدعوة الشيعي، تمثلت بمطاردته وتصفياته الجسدية لقادة ذلك التيار، وأنشأ صدام ورعى منظمات سياسية معارضة للحكم السعودي في إطار القيادة القومية لحزب البعث حينذاك والتي كانت تنادي بـ“تحرير الخليج والجزيرة العـربية” من اجل أهداف “الوحدة والحرية والاشتراكية” التي حركت أيديولوجيته قبل سبعين عاما.
وكانت المهادنة المؤقتة قد تمت خلال ولاية الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز وأيام الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988 والتي كان شعارها “حماية العراق والأمة من خطر التوسع الإيراني” بعد مجيء الخميني للحكم عام 1979.
انهارت علاقات العراق بالسعودية بعد الاجتياح العسكري للكويت في الثاني من أغسطس 1991 ودخول القـوات العراقية مدينة الخفجي السعودية.
وقد عمل الأميركان على تأجيج الصراع المسلح على ضفاف الخليج العربي وتفجير الحرب العراقية الإيرانية وإطالة زمنها الكارثي، ثم أصبحت السعودية رأس حربة القوات البرية العربية لطرد القوات العراقية من الكويت، وقطعت الرياض علاقاتها الدبلـوماسية ببغداد، وأنشـأت داخـل حدودها معسكر رفحا للاجئين العراقيين الذين فروا في أعقاب حرب العام 1991، ووفرت ملاذا آمنا لبعض المعارضين، وأنشأت لهم إذاعة خاصة دعت إلى إسقاط نظام صدام حسين.
ومنذ ذلك التاريخ دخلت السعودية وبلدان الخليج في ظروف من عدم الاستقرار، تمخضت بالمشروع الأميركي العسكري لإزاحة نظام صدام، لكن الموقف السعودي كان ممانعاً لتوجيه الصورايخ والقنابل والطائرات الأميركية من أراضيها مما اضطر الولايات المتحدة إلى الانتقال لقاعدة عديد القطرية التي أصبحت منطلق الاحتلال العسكري للعراق بتنسيق ودعم إيرانيين. وكان هذا الموقف القطري من أبرز علامات الإيذاء للعراقيين.
وبعد عام 2003 اتخذت السعودية سياسة الحيطة والحذر من أن تتحول الأراضي العراقية منطلقاً للتنظيمات المتطرفة والإرهابية التي تستهدفها فأنشأت جداراً بطول 900 كم على الحدود العراقية السعودية.
وما حصل في العراق من احتقان سياسي بعد سيطرة الأحزاب الشيعية على الحكم شجع على تأجيج النعرات الطائفية بين عرب العراق، السنة والشيعة، وأشاعت تلك الأحزاب ثقافة الكراهية والتسيد الطائفي، وتحويل أبناء الطائفة العربية السنية إلى متهمين بجميع أنواع التهم فهم صداميون وبعثيون ينبغي معاقبتهم بالاجتثاث، وهم تابعون للسعودية إلا من تثبت براءته، وهذه التعبئة والثقافة تركت آثارا مؤذية بحق العراقيين.
لكن حقائق المعركة الفاصلة ضد داعش قد كشفت جزءا كبيرا من عمليات خلط الأوراق، بأن التطرف والإرهاب استهدفا العراق أولاً لتفكيكه وتدمير بنيانه الاجتماعي والاقتصادي وعزله عن عمقه العربي الـذي يشكل حاجة تنموية واقتصادية قبل أن يكون حاجة ثقافية ونفسية.
كما أثبتت وقائع الثلاث سنوات الأخيرة بأن السعودية ودول الخليج ليست بعيدة عن الهدف الداعشي الإرهابي، بل إن الإرهاب أصبح وسيلة فعالة لتخريب الشعوب وتدمير مقومات الحياة فيها.
ولا مفر أمام دول المنطقة سوى أن تتكاتف وتتوحد لإجهاض هذا الخطر العالمي وإزالة أسباب وظروف نموه السياسية والاجتماعية، كما أثبتت الوقائع الجيوسياسية بأن مصالح الكبار تتقاطع مع رغبات شعوب المنطقة، وقد تركت حرب الوكالة آثارها المدمرة في سوريا والعراق واليمن وليبيا.
على مستوى علاقات الرياض ببغداد قبل مجيء حيدر العبادي لحكم العراق كان من الصعب بناء شبكة علاقات منفتحة مع السعودية والخليج بسبب حالة التصعيد الطائفي وضبابية الصورة.
الآن يبدو أن العبادي لديه رؤية مرنة في بناء علاقات متوازنة مع أكبر بلد عربي (السعودية) خدمة للمصالح المشتركة، فالسعودية وفق القيادة الحكومية العراقية بحاجة إلى إثبات حسن نيتها مع العراق وعدم انحيازها إلى فريق سياسي عراقي ضد آخر، خصوصاً أن بناء مناخ سياسي لا طائفي أصبح مطلباً داخلياً ملحاً لمرحلة ما بعد داعش.
وقد يساعد انفراج العلاقات مع السعودية والخليج على وضع حلول للاحتقان السياسي الداخلي في العراق وكبح جماح النزعات والاستقطابات الطائفية المتطرفة بما يخدم أبناء العراق.
كما سيساعد التواجد الدبلوماسي والسياسي السعودي الإيجابي على خلق موازنة تقود إلى تليين خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المخيفة للبعض والداعية إلى استبعاد إيران عن النفوذ العراقي، وانطلاق مناخ سياسي عراقي جديد لمصالحة حقيقية لا تعني بالضرورة إعادة الاعتبار لبعض الزعامات السنية التقليدية، وإنما إلى إطلاق مشروع سياسي جديد للقوى غير الطائفية والشخصيات النظيفة من الإرهاب والتطرف والفساد قبل انتخابات عام 2018.
صحيح إن ذلك لا يريح إيران ولا يريح القوى المتطرفة داخل العراق والساعية إلى مزيد من تصعيد الاحتراب الطائفي.
أما على صعيد إعادة الإعمار وعودة النازحين إلى بيوتهم بأمان فإن السعودية قادرة على لعب دور كبير في خطة التنمية الفورية. والحديث النظري من قبل أميركا بإعادة بناء العراق تنقصه الوقائع، وما يسمى بقروض صندوق النقد الدولي أخذت تطوق عنق العراق في السنوات الثلاث الأخيرة في ظل خواء الخزينة العراقية وهيمنة الفساد والنهب في أروقة الحكومة. كما إن إيران لا تريد لهذا البلد أن يعيد بناء نفسه باستقلالية.
وضع العراق الاقتصادي المتردي وانعدام التنمية الصناعية والزراعية وقفل المصانع والمنشآت الزراعية يخدم تدفق البضائع الاستهلاكية الإيرانية البالية والمتردية في السوق العراقية وكذلك البضائع التركية. إن مشروع مارشال عربي هو الأصلح للعراقيين، وقد تتمكن السعودية من القيام بدور رائد فيه.
هناك مؤشرات عديدة تشير إلى رغبة حيدر العبادي في الارتقاء بالعلاقات السعودية العراقية إلى مستويات متقدمة انطلاقا من حساباته ورؤيته بأن العراق المنحاز كليا لإيران والمعزول عن العرب وفي مقدمتهم السعودية لن يخرج من أزماته المتشابكة، لكن رغبته تصطدم بقوى نافذة لا تريد لهذا الانفتاح أن يتحقق، وقد تثير الكثير من الزوابع السياسية والإعلامية حوله خصوصاً وأن الأصوات العدائية ضد السعوديـة متعالية ولا ندري مـدى قـدرته على المقاومة، إلا إذا لمس بأن طهران لن تقف ضد تلك الخطوة لحساباتها الدقيقة خصوصا في معركتها السياسية مع الإدارة الأميركية الحالية وسعيها إلى فتح ثغرة في الجدار.
وفق المقاييس العراقية النزيهة والحريصة على أمن البلد والطموح ببنائه بعد هـذا الخراب الذي أصابه، خطوة العبادي المتبادلة مع الرغبة السعودية الجادة بتطـوير العلاقات بين بغداد والرياض ستكون في صالح شعب العراق أولا وأخيرا.
كاتب عراقي






bahir/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)