ardanlendeelitkufaruessvtr

خطأ فادح

بقلم حميد سعيد حزيران/يونيو 23, 2017 275

خطأ فادح
حميد سعيد
منذ أيام، كنت في زيارة إلى مكتبة الطليعة الثقافية، وهي في وسط البلد، من العاصمة الأردنية، وهذه المكتبة منتدى ثقافي، يلتقي فيه كتاب وفنانون وناشرون وأكاديميون، وكانت في بدايتها إبان خمسينات القرن الماضي مجرد كشك لبيع الصحف والدوريات، ثم تطور ذلك الكشك ليكون مكتبة عامرة.
وكنت برفقة الكاتب والصحافي العراقي سلام الشماع، نستمع إلى أحاديث صاحب مكتبة الطليعة الثقافية ومديرها، سامي أبوحسين، الذي تسمع في ما يحدثك به من أخبار الكتاب والقراء من زبائنه، ما تحب وما لا تحب، ما يهمك وما لا يهمك.
كان الوقت عصراً، وجاء إلى المكتبة عدد من الأشخاص، سيدة وشابتان وشاب، ومن خلال استقبالهم أدركت أنهم على معرفة وثيقة بالمكتبة وبصاحبها الذي أخرج لهم مجموعة من الكتب، بينها كتاب الصديق سليم النجار “سنين عمان.. مع الشاعر حميد سعيد”. وسرعان ما تعارفنا، وطلبت مني إحدى الشابتين أن أوقع لها هذا الكتاب، وإذ حاولت الاعتذار بالقول: ولكنني لست المؤلف، كانت هي تقدم لي قلماً ونسخة من الكتاب، فأحسست بالإحراج وأخرجت قلمي وكتبت إهداء موجزاً، بل بخيلاً.
وإذ انصرف الشباب للبحث عن كتب جديدة، فقد بقيت أستمع للسيدة وهي تحدثني عن عائلتها التي تقيم في مدينة مادبا، وتنتسب إلى أسرة مصاروة، التي عرفت من خلال عدد من مثقفي الأردن، وهذه السيدة أم لخمسة أبناء، ثلاث بنات وولدين، وجميعهم تخرجوا من الجامعة بامتياز.
وقالت: في كل يوم جمعة تأتي إلى عمان، وإلى وسط البلد تحديداً، برفقة بعض أبنائها، ومع أنها تمتلك سيارة خاصة، إلاّ أنهم يفضلون حافلات النقل العام، في هذه الرحلة الأسبوعية التي تتيح لها ولأبنائها أن يكونوا أكثر قرباً إلى حياة الناس.
وفي أحد مطاعم وسط البلد، يتناولون وجبة الغداء، ومن ثمَّ يتوجهون إلى مكتبة الطليعة الأدبية، حيث يكون سامي أبوحسين قد تدبَّر لهم الكتب التي طلبوها من قبل، ويطلعهم على كتب صدرت حديثاً، فإذا انتهوا من مراجعة المكتبة عادوا قبل المساء إلى منزلهم في مدينة مادبا.
ولهذه العائلة مكتبة منزلية، يتشاركون في مدها وإغنائها بالجديد من كتب الأدب والتاريخ والفن والفكر والمذكرات، ولكل منهم قراءاته، غير أن الشابة التي طلبت أن أوقع لها الكتاب هي الأكثر اهتماماً بالمكتبة المنزلية وأكثر انصرافاً للقراءة.
وفي حديثي مع السيدة الأم، وقد وجدتني على معرفة بمدينة مادبا، بالقدر الذي أتيح لي في زيارات قليلة لها، توسعت في الحديث عنها وبأدق التفاصيل، تاريخها وأسرها وأعلامها وشواخصها، كما حدثتني عن أسرة مصاروة وتاريخها ومثقفيها وأدوارهم وإنجازاتهم. وقبل أن تغادر هذه العائلة الكريمة وسط البلد في طريق العودة إلى مدينة مادبا، التُقِطَتْ لنا صور مشتركة، غير أن ما لفت نظري في تصرف أفراد هذه العائلة، بساطةٌ آسرةٌ في العلاقات بين أفرادها ومع الآخرين، وكذلك في أحاديثهم ومظهرهم وحواراتهم.
إن هذا اللقاء، وهو لقاء عابر ومن دون موعد، أكد لي أن التعميم في إطلاق الأحكام خطأ فادح، كالقول إن التماسك العائلي بات من حصة الماضي، لأن العلاقات العائلية في هذه المرحلة الزمنية تتسم بالضعف والتفكك، وكذلك القول بأن الشباب الآن مشغولون بكل ما هو تافه وسطحي وسخيف وبعيدون عن كل ماهو جدي وإيجابي.
وفي هذا السياق يدخل القول بأن الناس بعامة والشباب بخاصة، لا يقرأون ولا علاقة لهم بالثقافة المكتوبة الجادة،
وأستطيع القول إن هذه العائلة تشكل رداً حاسماً على مثل هذا التعميم، وتنقضه.
كاتب عراقي

 

 

 

 

 

باهر/12

 
قيم الموضوع
(0 أصوات)