ardanlendeelitkufaruessvtr

أدب الشغف

بقلم هيثم الزبيدي تموز/يوليو 02, 2017 149

أدب الشغف
هيثم الزبيدي
بين هدهدة الأم وروايتها لحكايات قصيرة لطفلها الصغير، ومطالعة شاب يافع لعمل روائي، ثمة 18 عاما تنتظر ما يملؤها من أدب قصصي ورسوم وكوميكس (القصص المصورة) ونصوص المغامرات والروايات المبسطة. خلال العقود الأخيرة توسعت القائمة لتشمل ما يمكن تحويله من تلك القصص إلى أعمال بصرية متحركة للشاشة أو للألعاب الالكترونية.
إنها مهمة شاقة فعلا. عقول الأطفال تنمو بصورة متفاوتة مثل أجسادهم. وهم يمرّون بمراحل مختلفة. وما يعجبهم اليوم، يكرهونه في الغد. والأسوأ في كل هذا أنّ من يكتب أدب الأطفال عادة ما يكون في عمر بالغ، وأن ما لديه من ذكريات عن طفولته وما كان يحبه وهو في تلك المراحل العمرية المتسارعة، إنما هي صور انطباعية يعاد تشكيلها في عقله مرة بعد أخرى، مثلها مثل الكثير من الذكريات التي يخزّنها العقل بطريقته ويستعيدها كل مرة بزاوية مختلفة وصورة ثانية.
الطفل أُذُنٌ تسمع أولا. عليك أن تجد ما ترويه له وينصت إليه تحريكا لخياله. القصص يجب أن تكون مثيرة، ولكن بسيطة. تحتاج أن تكون القصة قصيرة وبحبكة ساذجة تترك له المجال ليكوّنها في عقله البسيط. أذنه تحبّ التكرار أيضا، لهذا نرى الأطفال الصغار يطلبون إعادة رواية القصص. إنهم يركبون خيالهم الخاص ولهذا هم يعيدون الإنصات لكي يركبوا القصة من على لسان الأم أو الجدة، مع شريط الخيال لديهم. الشاطر حسن يذهب معهم إلى الأحلام. المشاغب جريق عليه أن يتربّى ويتعلّم كيف تكون معاملة الكبار وأن يستمع إلى نصائحهم.
الطفل عين ترى ثانيا. لم يصل إلى مستوى القراءة، لكنه يجيد فهم الصورة. الكتب المصورة فيها القليل من الكلام والكثير من الصور. والراوية تحرك إصبعها وهي تقرأ لكي يربط الطفل بين ما يسمع وما ترى عيناه. الكاتب والرسام اللذان أعدا الحكاية لا بد أن يضعا هذا بنظر الاعتبار.
من الشاطر حسن إلى حياتنا الجنسية في 18 عاما
الطفل شغف ينمو ثالثا. ما إن يتمكن الطفل من ربط الصورة بالنص حتى تراه يذهب إلى القصص المصورة. ما أجمل تلك الفقاعات التي تحوم فوق رؤوس الشخصيات في القصص المصورة. إنها عالم كامل أشبه ما تكون بشريط أفلام. اسأل أيّ طفل/صبيّ عن الكوميكس وسترى ولعا وحبا كبيرا لا يضاهى مع الأنماط الأخرى من النتاجات الأدبية. الكوميكس تشبه شغفه بالعالم بخروجها عن الحكايات البسيطة إلى دنيا تشبه الواقع، حتى وإن ازدحمت بالخيال.
ما العيب في أن يتمكن سوبرمان من أن يطير؟ ما المشكلة في أن يحل تان تان والكابتن هادوك كل هذه الألغاز وهما يجولان العالم؟ مقالب سمير وتهته هي تصوير لمقالب البيت والشارع والمدرسة عنده. بطة اسمها بطوط تسوق سيارة. كل الأبطال العظام يرتدون أقنعة لكي يخفون شخصياتهم الحقيقية في الواقع ويحمون أصدقاءهم من انتقام الأشرار.
الطفل/الصبي متذوّق رابعا. ربّما لا يتذوّق النص الأدبي الروائي كما الكبار، ولكن بالتأكيد سيستمتع في أن يقرأ نصوصا من المغامرات الحياتية أو البوليسية ويرسم في عقله صورة تشبه الكوميكس. سلسلات مثل “المغامرين الخمسة” أو “الشياطين 13” تربّعت في عقول الصبيان. هي، من وجهة نظرهم على الأقل، أول تعرّفهم على العالم الروائي. ما هي الرواية بالنهاية، لهم ولغيرهم؟ إنها نص يبدو لك كنافذة على مشهد ترسمه بعقلك.
الصبيّ اليافع يحب المغامرات وتجتذبه. الكبير البالغ يذهب أبعد في سبر تفاصيل الحياة. الصبي لا يريد أن يعرف أكثر من أنّ تختخ في “المغامرين الخمسة” سمين وذكي وأن لوزة طريفة. والكبير يريد أن تتطوّر الشخصية وهو يتابعها روائيا ولا يكتفي بانطباع أولي. الصبي ليس ساذجا ولكنه يبسط الفهم ويتعامل مع الشخصيات في القصص والروايات التي يقرأها كما يصنف زملاءه في المدرسة، هذا محبوب وهذا متنمّر وهذا شاطر وذاك رياضي.
المراهق تحركه الهرمونات خامسا. ها هو على أبواب البلوغ وينتظر أن يقرأ ما يشرح له هذه الخفقات في صدره. الآن يسخر مما كان يسمعه ويشاهده ويقرأه ويتخيله قبل سنة. يريد أن يعرف (أو تعرف) عن العالم المعقد الذي يقف على أبوابه، ولا وقت لديه يضيّعه في التسلية. قبل أن يقرأ رواية “الحرب والسلام” لليو تولستوي، يريد أن يستكشف نفسه بمطالعة كتاب “حياتنا الجنسية” لصبري القباني.
من دون فهم الشريط الزمني الذي يمر به الطفل والصبي والمراهق قبل أن يصبح شابا يستطيع أن يستطلع العالم الروائي المكتوب للكبار، سيصبح من الصعب الحديث عن أدب للأطفال وستمتلئ مطبوعاتنا، كما الكثير منها الآن، بكتب الوعظ الاجتماعي والديني الصادمة لعقول غضة تُقحم إقحاما في قضايا كبرى وهي ما تزال في مقتبل فهمها لما يدور من حولها.
كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن







باهر/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)