ardanlendeelitkufaruessvtr

أبومنجل

بقلم عدلي صادق تموز/يوليو 09, 2017 103

أبومنجل
 عدلي صادق
في تاريخ مصر الفرعونية، كان هناك ما يُسمّى “انتقالا أول” حدث في المرحلة الفاصلة بين عصري الدولتين القديمة والوسطى. والكلام هنا عن 2000 سنة قبل الميلاد، وقد سُمّيت وقائع ذلك الانتقال بـ“الثورة الاجتماعية الأولى”.
اشتعلت تلك الثورة، كما تدلّ البرديات، في “ممفيس” أي الحزام الجنوبي للقاهرة، ثم تفشّت في الأرجاء المصرية، وصاحبها بعض العنف في البداية، وتخلّلتها بين الجموع رغبة شديدة لدى البعض في الانتقام. لكن ما جرى في المحصّلة أن الجموع نزعت عن الملوك قداستهم. غير أن الفتن الداخلية سرت كالنّار في الهشيم، حسب ما تروي بردية “الحكيم أيوبور” التي زادت قائلة “إنّ الفوارق بين السيد والرعية تضاءلت إلى حدّ كبير، وارتسمت للحاكم الجالس على العرش صفات جديدة قوامها امتلاء القلب بحبّ الرعايا وبالرغبة الملموسة في العمل على سعادة الناس!”.
غير أن المُحيّر فيما وصل إلينا من خواتيم الحكاية وتفصيلات التهدئة ينحصر في الدور المضلل الذي حاول أن يلعبه “تْحوث” T’hoth وهو يطلق على نفسه إله الحكمة والروقان، والشاعر والساحر والكاتب والأديب الخارق للعادة، هو وقرينته “ماعتْ” الموصوفة آنذاك بإلهة الحق والإنصاف الكاذبة التي كان ريش النعّام يعلو رأسها رمزا للعدالة المزعومة!
في ذلك السياق؛ أطل “تْحوثْ” الذي ما زالت صورته محفورة على الجدران برأس يشبه طائرا مائيا طويل القائمتين والمنقار، يُسمّى “أبومنجل” Ibis ويعتلي جسد إنسان فيتقمّص دور الذي يُعلّم الثائرين أسرار الرُشد، فيما كان رأسه يدل على نواياه: يتوخى حصادا لنفسه، وأن يحزّ الأغصان المثقلة بحبيبات الرزق بالسكين الملتوية!
لم يكن “أبومنجل” ذاك قد صنع ثورة، ولم يكن الحق من بين ما يتمنّاه. كان طوال حياته ضدّ الثورات وخصما عنيدا لأيّ رابطة وطنية تنشأ في المجتمع لكي يتساوى فيها الآدميون ويتحاببون. بل هو أصلا، من جذر خانع، ترعرع على مديح القصر، ولم يكن يقترب إلا من فاسدين وخونة، ويبيع الناس كلاما عن التقوى، فيما رأس “ماعتْ” يذُرُّ الرماد في العيون!
ينتهز فيضان الغضب ضد الظلم فيهرع لتحزيب الإيمان وتقسيم المؤمنين ودق الأسافين. هو الإرهابي المُفتضح، ناقل الشر وفاعل الكبيرة ومنتحل الديانة الذي أدرك الأقدمون نواياه ومآربه. أمثاله يريدون خداع العامة والإضرار بالأمة تحت اسم منفعتها وتقواها!
يتكرر “أبومنجل” في كل عصر لكن ما نقله الحكيم الفرعوني عن أفواه الثائرين يظل ساريا. فشرط التأهل للحكم هو حب الرعايا!








سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)