ardanlendeelitkufaruessvtr

أمهات الحياة

بقلم لطفية الدليمي تموز/يوليو 23, 2017 71

أمهات الحياة
 لطفية الدليمي
تقدم الفضائيات العربية في مسلسلاتها صورا نمطية للأمّ، ففي موضوعة المخدرات والجريمة نجد الأم ممسوخة الإرادة مهزومة أمام شهوة الثراء، وفي المسلسلات الاجتماعية نجدها امرأة عاجزة انتهى دورها في الحياة وغدت منبوذة مثل قطعة أثاث مستهلكة لا يسمع لها صوت سوى النحيب والصراخ وهي تندب حظها وعقوق الأبناء.
وتتوالى في الأفلام العربية صور الحجر على الآباء والأمهات طمعا بثروة أو لانعدام المروءة والبرّ مما ينسف تقاليد الاحترام والتراحم، على الضد مما نشاهده في فضائيات آسيوية عديدة من أعمال فنية ومنها فضائية الصين العربية فمعها نكتشف عالما متّسما بالمروءة والتراحم لأناس من زمننا يحترمون الأمّ حدّ التقديس ويحافظون على تراثهم وتقاليدهم ويحرصون على التوازن النفسي الذي يستمدونه من الانسجام مع الطبيعة واحترام قوانينها.
ويتعرف المرء عبرهم إلى مجتمعات متماسكة لم تسحقها حالة ما بعد الحداثة فرغم كونها مجتمعات صناعية، إلا أنها لم تفرط بالقيم الإيجابية الموروثة وأولها تبجيل الأمّ والطبيعة. لم نتحصّن في بلداننا أمام سيولة أنماط الحياة التي أغرقتنا بها الحداثة الغربية ومنظوماتها الحاكمة فتسللت مفاهيمها إلى وجداننا وانعكست على سلوكنا.
غير أن الآسيويين نجحوا غالبا في مقاومتها وصانوا تقاليدهم وتمسّكوا بمفردات ثقافتهم الموروثة الراسخة لسبب بسيط هو أن حضارتهم لم تتعرض للقطيعة كما تعرضنا طوال تاريخنا، فقد احتفظت الأمّ في التراث الشعبي والأعمال الفنية والطقوس التقليدية والأفلام والمسلسلات بمكانتها المبجلة وانعكس الأمر على الوجدان والسلوك اليومي، فلا يُحسم أمرٌ أو تُحلّ معضلة في العائلة إلا برأي حكيم أو كلمة نهائية من الأم أو الجدة.
والصينيون يبجلون المسنين حتى نهاية حياتهم ولا يضعونهم بلا رحمة في دور الرعاية كما تفعل المجتمعات المادية، بل يتحمل الأبناء مسؤوليتهم مهما تقدم العمر بالوالدين و كثيرا ما يُشاهد في شوارع الصين رجال يحملون أمهاتهم على ظهورهم أو يدفعون كراسيهن المتحركة.
وقد يستغرب البعض هذه المكانة المعظمة التي تحتلها الأمهات لدى الصينيين ويتساءل هل هي فعلا من ضمن التقاليد الشعبية أم من بقايا النظم الأمومية؟ الحقيقة أن كلا الأمرين معا: سلوك تراحمي تقليدي وشيء من النظم الأمومية التي تبقت منها في عصرنا حالات نادرة تمثلها أقلية عرقية مسلمة في إندونيسيا تسمى “مينانغ كابو” تعيش في سومطرة ومعها مجتمعات الطوارق البدوية المسلمة.
تحظى المرأة بمكانة سامية لدى المجموعة السومطرية ذات النظام الأمومي وتنتقل الوراثة من الأم -التي تملك كل ممتلكات الأسرة وثروتها- إلى بناتها، وتمثل هذه المجموعة المسلمة أوسع المجتمعات الأمومية في زمننا ومن تقاليدها أن ينتقل الرجل عند الزواج إلى منزل زوجته وتتُخذ القرارات العائلية باتفاق الزوجين.
وتمثل المرأة لديهم صلة الوصل بين الماضي والحاضر ولا يرون تعارضا بين الإسلام ونظامهم الأمومي، فالقيادة السياسية والدينية محصورة بالرجال بينما تتولى المرأة القيادة الاقتصادية والعائلية وتعليم الأبناء وتُتخذ القرارات في الأمور العامة بتصويت الجنسين وموافقة النساء.
وتتسيد المرأة الحياة الاجتماعية والاقتصادية لدى قبائل الطوارق المسلمة وللمرأة الرأي الأول في زواجها وتحترم خياراتها حتى في زواجها من عشيرة أخرى وعند طلاقها يعود معها أبناؤها إلى قبيلتها ويحتفل الطوارق بالمرأة المطلقة فيغمرونها بالهدايا ويعدونها الأنسب للزواج. وتضمن تقاليدهم حرية المرأة وتعليمها ويؤمنون أن صفات النبل والشجاعة والشرف تنتقل عبر الامهات إلى الأبناء ولا يجدون تعارضا مع الإسلام في انتساب الأبناء إلى أمهاتهم ولا يتقبل الطوارق تعدد الزوجات الذي أباحه الشرع الإسلامي ويؤمنون أن الإسلام كرّم النساء والأمهات وجعل الجنة تحت أقدامهن.
كاتبة من العراق






سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)