ardanlendeelitkufaruessvtr

لماذا لم يشأ الإعصار أن يدمر أميركا؟

لماذا لم يشأ الإعصار أن يدمر أميركا؟
رغم قوّته الضارية، ورغم تصنيفه ضمن أقوى الأعاصير التي اجتاحت الأراضي الأميركية خلال عشرات السنين الماضية، إلا أن إعصار “إيرما” قرر في الأخير أن يكون رحيماً بالبلاد والعباد، فلم يسو بنايات أميركا بالأرض، ولم يدك البلاد دكّا دكّا كما اشتهى وتمنى بعض الشامتين الحاقدين، ولم يهلك من العباد سوى عدد محسوب على رؤوس أصابع اليدين.
في طليعة الشامتين، للمفارقة، دعاة وإعلاميون وسياسيون متحلقون كالأكلة حول القصعة الأميركية، لا يخفون جشعهم الفطري ولا ينسون نصيبهم من الدنيا، في الوقت الذي لا نصيب لهم من المروءة غير الصياح والعويل بين الفينة والأخرى لأجل دغدغة مشاعر المريدين والتابعين إلى يوم الدين، وتذكيرهم بالآخرة التي هي خير وأبقى.
جشعهم لا تخطئه العين، ولا هم يحرصون على تركه طي الكتمان، بعضهم يتسوّل التأشيرة من السفارة، وبعضهم يتسول الجنسية من الوزارة، وبعضهم يتسول منحا دراسية للعيال متنقلا من ممر إلى ممر، وبعضهم يتسول كل شيء بلا حياء، وحجته أن يقول في قرارة نفسه، حيث لا حياء في الدين فبالأحرى لا حياء في الدنيا؟
ولأنهم يأكلون الغلة ويسبون الملة، لا يكفون ألسنتهم عن التشفي بأي كارثة طبيعية قد تضرب أي مكان من أميركا، لا لعلة في الموضوع سوى علة في أنفسهم وذلك خارج أبسط أخلاقيات التضامن الإنساني، ودون احتساب مبلغ العجز العلمي في هذا الباب الذي يحسبونه إعجازا قرآنيا أو ربانيا.
عموما، هذه المرّة، بالصدفة وكسائر المرات، كانت الخسائر أقل مما تمناه الكثيرون ممن ضل سعيهم وخاب ظنهم. إذ أن حجم الخسائر ضئيل بحيث لم يُتح مجالا لشفاء غليل المصابين بداء الغل وهم كثيرون، أولئك الذين اختلطت عليهم السياسات بالانفعالات، فجعلوا الصراع نوعا من الصداع، والنقد نوعا من الحقد. لكن المناسبة كشفت أيضا عن حجم الإعصار الروحي الذي يجتاحنا ويخرب آخر ما بقي فينا من قيم إنسانية ونحن عن هذا غافلون ومغفلون. لكن إلى متى؟
واضح للعيان أن الردة الحضارية التي تعيشها شعوبنا اليوم ليست مجرد ردة إلى حقبة إنسان العصور الوسطى كما قد نظن، بل هي ردة سحيقة إلى حقبة إنسان العصور البدائية. هذا بالذات ما أظهرته مجمل التدوينات التي امتلأت بها مواقع التواصل الاجتماعي عندما كانت ولاية فلوريدا تستعدّ لاستقبال الضيف غير المرغوب فيه، إعصار إيرما.
عموما، ولكي ندخل مباشرة إلى الاستنتاجات، دعنا نقول، هي ثلاث خرافات بدائية اخترقت نمط التدين لدى شعوبنا بإيعاز من قيم الموروث الفقهي وأيديولوجية الإسلام السياسي، وبلغت ذروتها اليوم. سأحاول بيانها بأسلوب مقتضب. ولن أعرض عن الجاهلين فقد صاروا بالملايين:

الخرافة الأولى، تُعبّر مختلف الظواهر الطبيعة عن الحالة الانفعالية للآلهة أو الله. حين يسخط الله علينا تنطلق الأعاصير الزوابع والزلازل والطوفان، وحين يرضى عنّا تعود الطبيعة إلى هدوئها. ويبقى السؤال، طالما أن الأعاصير والزلازل لا تصيب أميركا طول الوقت وكل الأيام، فهل هذا يعني أن الله لا يغضب على أميركا إلاّ في أوقات محدودة؟
الخرافة الثانية، يجوز لله أن يعاقب الملايين من “أمة” معينة بسبب أفعال بضع عشرات من تلك “الأمة”، فيما يسمى بالعقاب الجماعي، مثلما كانت تفعل الآلهة البدائية.
ويبقى السؤال، إذا كان إعصار إيرما عقاباً من الله الغاضب، فكيف نجح الأميركيون في تحديد توقيت ومسار ذلك “العقاب”، فاتخذوا التدابير الكفيلة بالتقليل من عدد الضحايا؟
الخرافة الثالثة، بإمكان بعض الجماعات أن تساهم في تأجيج غضب الله على جماعات أخرى، بواسطة بعض الطقوس والشعائر: الصلوات والقرابين والأدعية على منوال “اللهم شَتت شملهم ويَتم أطفالهم ورَمل نساءهم”،.
فهل يمكن أن يكون للتعاويذ والطلاسم والرقية والأدعية دور في صناعة التاريخ؟ أم أن الأمر يتعلق بظاهرة الاستعمال السحري للدين، كشكل من أشكال النكوص الجماعي باسم الدين إلى التدين البدائي؟
إن حجم الهلع الذي ظهر في نفوس الشامتين أنفسهم، ليعكس بجلاء حجم النكوص إلى مرحلة الخوف البدائي من الظواهر الطبيعية، مرحلة إنسان الكهوف، ويا للهول. بهذا المعنى لن تكون ردتنا الحضارية هينة وسندفع الثمن غاليا إذا تغاضينا عنها. من قال إن السقوط له قعر أخير؟
كاتب مغربي

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الخميس, 05 تشرين1/أكتوير 2017 16:36
سعيد ناشيد

كاتب مغربي