ardanlendeelitkufaruessvtr

الناصرية مدينة الغبار المستحيل

الناصرية مدينة الغبار المستحيل
كنت قد وصفتها يوما بـ”مدينة الغبار المستحيل” كونها عابسة مغبرة، ينهال عليها التراب كالمطر، طيلة العام إلا في أوقات الشتاء حيث تنهمر عليها شلالات مطر سخي، لتغرق بيوتاتها وشوارعها، وبساتين نخيلها وتكتشف بعيد توقفها كم هي مهملة، إنها الناصرية العراقية، مدينة استثنائية لسببين: الأول كونها منبع الأفكار التحررية في العراق ومنفى اليساريين العراقيين لذلك أنتجت الأحزاب التي قادت العهد الجمهوري في العراق ومهدت لسقوط العهد الملكي، وجل ضباط وجنود الحركة الوطنية منها، ولكونها أنتجت أيضا الحركات والأحزاب السياسية الرئيسة متمثلة بالحزبين الشيوعي والبعث أعرق حزبين قادا العراق الحديث ومسرح صراعاته، بالإضافة إلى كونها تكاد تكون الوحيدة التي جلب مؤسسها وواليها منتصف القرن الثامن عشر، ناصر باشا الأشقر السعدون، مهندسا سويسريا خطها متعامدة الشوارع على نهر دجلة، فهي لا تعطي ظهرها للنهر الذي ينساب من حولها كما درجت المدن الأخرى.
لكن شعبها ظل الأفقر بين المدن العراقية الأخرى لعدم وجود ماكنة صناعية تشغّل الناس وتستوعب عطالتهم، فامتلأت مقاهي بحوارات سياسية لا تنقطع ليستعيض سكانها عن فقرهم بالقراءة والبحث عن المراجع التي يتداولونها كالمناشير، وتكاد تكون المدينة التي تحتفي يوميا برمز واحد يتمثل بشاعر اسمه الحبوبي وهو نجفي الأصل، وكان عالما جليلا ثائرا من أبطال ثورة العشرين ضد الإنكليز، لذلك أطلقوا اسمه على شارعها الرئيسي رمزا يستمد النشئ منه ومن دلالة شموخه.
ظلت الناصرية تخّرج مثقفين يهجرونها كأنهم يهربون من رتابة الحياة فيها إلى العاصمة، ليكونوا نواة العمل السياسي، في الحكومة والمعارضة على حد السواء. واللافت في الناصرية أنها تنتج كتاب أغان وشعراء وملحنين ومطربين في الصف الأول منذ افتتاح الإذاعة والتلفزيون منتصف الخمسينات، وظلت تنتج مخرجين وموسيقيين وكتابا وحزبين ومدرسي فنون فقد استوطنوا المبنى وما حوله.
سألت موسيقيا مخضرما عن سر هذا التوجه لمدينة وقصباتها الشهيرة سوق الشيوخ والشطرة والرفاعي، كونها تمتاز بأنها من أرومات عربية خالصة، قال لعله سحر السومريين عليها، فمنها انطلق أبوالأنبياء سيدنا إبراهيم حيث ولد فيها، وفيها بنيت أول عمارة في التاريخ ممثلة بزقورة أور التاريخية.
لكن الناصرية التي هجرها أبناؤها ظلت كالجمل الذي يحمل ذهبا ويأكل شوكا، مدينة طاردة تنتج كتابا وفنانين وترمي بهم على المدن الأخرى وتستنهض همم الناس، حتى غدت وشالة خاوية إلا من بعض مثقفيها النُسك الذين قرروا أن يٌدفنوا فيها، غير عابئين بسحر العاصمة ومغرياتها.
ولأهل الناصرية تحسب ميزة الكلام الذي يقال عنه الحسجه المحكي الذي يتحمل معنيين، فعليك أن تنتبه وأنت تصغي لردهم فهم يختبرون نباهتك في اللغة والمعنى. وسياسيا انشطر صراعها بين القوميين العتاة واليساريين الحالمين بوطن شيوعي في مدينة لا مصنع فيها، ولا رأس مال؟

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الخميس, 05 تشرين1/أكتوير 2017 16:29
صباح ناهي

كاتب وصحفي عراقي