ardanlendeelitkufaruessvtr

أزمة العالِم والسياسي في مصر

بقلم محمد أبو الفضل نيسان/أبريل 18, 2016 104

أزمة العالِم والسياسي في مصر
محمد أبو الفضل
السخونة التي يشهدها الشارع المصري الآن، على خلفية إقرار الحكومة أحقية السعودية في جزيرتي تيران وصنافير، كشفت عن معان ودلالات كثيرة، تفسر جانبا مهما من الارتباك الذي يبدو كأنه ظاهرة عامة في البلاد، لا تقتصر على أداء المؤسسات الرسمية، ولا على الجماهير العريضة، بل لحقت أيضا بالطبقة السياسية والنخبة الثقافية.
لم تعد حالة الجدل في مصر، والشد والجذب، والأخذ والرد، تتوقف على قضايا بعينها، فالمساحة اتسعت ووصلت إلى غالبية التصرفات التي يقدم عليها النظام الحاكم، ولم يعد هناك قدر كبير من الثقة والرضا في تصوراته، وأضحت القرارات المصيرية محل تشكيك، بصرف النظر عن واقعيتها وصدقها، والمصالح التي تنطوي عليها.
هذا الأمر أكد ارتفاع حالة الرفض لكل ما يُقْدمُ عليه النظام المصري، وزيادة التآكل في شعبيته، وهو ما ينذر بالخطر، للدرجة التي جعلت كثيرين يخشون من حدوث عواقب وخيمة، تعطل مسيرته الإيجابية، فقد تمكن من تحقيق قدر جيد من الأمن والاستقرار، وإبعاد البلاد عن مخاطر جسيمة كانت تحيط بها، ومحاولاته الدؤوبة للإصلاح الاقتصادي، وضبط الخلل الاجتماعي في الكثير من القطاعات.
التحديات الكثيفة التي يواجهها النظام المصري لم تأت من فراغ، لكن لها روافدها المتعددة والمتشعبة، وفي مقدمتها، الطريقة التي يدير بها الرئيس عبدالفتاح السيسي الكثير من الأمور، فحتى الآن يتناسى أنه سياسي وخلع البدلة العسكرية، ويصر على التعامل مع شعبه كـ”جنرال” يلقي التعليمات على جنوده، وعليهم تنفيذها بلا مناقشة.
في هذا الخضم يتجاهل السيسي أن شعبه أسقط رئيسيْن سابقيْن في أقل من عامين ونصف العام، وحتى عندما يتظاهر بأنه على دراية بهذا الدرس، وعلى استعداد لترك السلطة، إذا أراد الشعب، تبدو توجهاته وممارساته غير منسجمة مع هذا الكلام، لأنه يصر على اتباع النظام الأبوي.
وقد تضافرت هذه النوعية من السياسات، التي يعتبرها البعض “شوفينية” مع سوء توقيت عرض عدد كبير من القضايا، وسوء إدارة بعض الأزمات، ليعززا الاعتقاد بأن هناك تخبطا مزمنا.
خذ عنـدك قضية جزيرتي تيران وصنافير، فقد استيقظ المصريون بلا مقدمات ليجدوا الدولة تعترف بعدم ملكيتهما، وربما تكون الوثائق والحقائق تؤكد ذلك، غير أن الطريقة التي جرى بها الاعتراف وتوقيته، أوحت لكثير من المتربصين أصلا بأن ثمة تنازلا عـن أرض مصرية تم لصالح السعودية.
لم يعط النظام فرصة للتمهيد لهذه المسألة وشرح أبعادها مبكرا للمواطنين، الذين تربوا على أن الجزيرتين مصريتان، وحتى استعانته بعلماء التاريخ والجغرافيا وفقهاء القانون فشلت في إقناع الناس بالحقيقة التي أرادها النظام المصري، وفشل العالم في إقناع السياسي.
الوضع العام منح بعض القوى والحركات السياسية المستنفرة ضد نظام السيسي فرصة ذهبية للنيل منه، ومحاولة تكسير عظامه الوطنية، التي تمثل رصيده الأول، حيث جاء السيسي على خلفية سقوط نظام الإخوان غير الوطني، الذي كان يضمر التفريط في جزء من الأراضي المصرية لصالح حماس والسودان.
المشكلة أن المسافة بين نظام السيسي والقطاع النشط من الشباب تفاقمت أكثر من ذي قبل، بسبب زيادة وتيرة الاعتقالات في صفوفهم، وعدم التوافق مع متطلباتهم في دولة مدنية حديثة تستوعب جميع الأطياف، وسمح للبعض بهتك عرض العشرات من النشطاء السياسيين، وعدم معاقبة من سمحوا بإذاعة مكالمات خاصة بهم.
ودفعت هذه التصرفات طيفا من الشباب إلى تصيـد الأخطـاء، وتضخيمهـا على مـواقع التواصل الاجتماعي، التي يجيدون التعامل معها، بما كرس عملية استهدافهم، لكنهم نجحوا في جذب قطاعات متعددة إليهم، حتى توافقوا ضمنيا على مواصلة الضرب السيـاسي والإعـلامي لنظام السيسي.
في مواجهة هذه المشكلة، فشلت جميع الرسائل والإشارات التي بعث بها الرئيس المصري لاستيعاب الشباب، لأن الممارسات العملية كانت تسير في اتجاه مقابل لما يريدونه، فكان الإصرار واضحا من قبل المدافعين عن نظامه على تخريب أي محاولة للمصالحة المجتمعية، والإمعان في سياسة “التجريس” ضد رموز شبابية وسياسية تحظى بالتقدير.
زاد الموقف تأزما، عقب انفضاض قطاع من مؤيدي السيسي، خاصة من الناصريين الذين كانوا يرون فيه استعادة لروح الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، لكنهم اكتشفوا فيه ميلا لرجال حسني مبارك، ممن اشتهروا وسط المجتمع المصري بالفساد.
في الوقت الذي قرب إليه هذا الفريق، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، لم يقدم للطبقة المتوسطة والبسطاء والمهمشين شيئا ذا بال، يجعلهم يتمسكون بالدفاع عنه، فقد جاء غلاء الأسعار وبالا على رؤوسهم، بينما لم يتم الإقدام على خطوة حقيقية تنزع الامتيازات التي حظي بها رجال مبارك، وبدا السيسي كأنه ضد الفقراء، بصورة ضاعفت الاحتقان السياسي ضد نظامه.
المشهد السياسي أصبح يتدحرج بما يشبه كرة الثلج التي تتضخم يوما بعد آخر، ومع ذلك لم يفلح النظام المصري في استعادة شعبيته عند فئات كثيرة فقدها، وأخفقت كل المحاولات الإنسانية والعاطفية والتحذيرات الأمنية والإغراءات الاقتصادية، في تكوين حائط صد أمام تمدد النقمة السياسية، ما يؤكد وجود خلل في العلاقة بين القمة والقاعدة.
النظام يسعى إلى تخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين وتحمل تكاليف باهظة، في حين تتزايد المعارضة حوله، وهو ما يفرض على الرئيس السيسي أن يأخذ خطوات أكثر جرأة، في ملف محاربة الفساد مثلا، والذي يعتبره كثيرون الملف الأهم الذي يمكن أن يعيد للرئيس السيسي جانبا مما فقده من جماهيرية، ويتجاوز المعوقات التي ذهبت إلى حد أن فتحه على مصراعيه يمكن أن يربك بعض أجهزة الدولة التي تعايشت معه واستفادت منه، لأن استمرار تجاهل مطالب القوى السياسية ربما يوسع دوائر الغضب، وتنضم إليها شرائح تشعر بالمعاناة، ظلت صامتة أملا في استكمال بناء المشروعات الكبرى وجني ثمارها.
وهو ما يحتاج إلى وقت، قد لا يستطيع كثيرون تحمل انتظاره، فالسياسي في مصر، تحول إلى انتهازي، للوصول إلى أغراضه، بغض النظر عن تأثيراتها على الوطن، والعالم فقد جزءا من مصداقيته، لأنه يظهر في غير مكانه وزمانه، وباتت أزمته لا تقل صعوبة عن أزمة السياسي.
كاتب مصري


سراب/12
 
 
 
 
 

    

قيم الموضوع
(0 أصوات)