ardanlendeelitkufaruessvtr

فريد الإحساس

سألتني صديقتي التونسية الحسناء: هل تحبين فريد الأطرش؟ سريعا أجبتها “نعم” فهو فريد في كل شيء، فريد الإحساس، بجملة عفوية، سريعة، صادمة، أكملت: إذا أنت غير عادلة، يا ويلي، كيف هذا؟، وقبل أن أفيق من صدمة الاتهام، باغتتني، “لماذا لا تكتبين عنه؟”.
شعرت بأنني حقا مقصرة في حق القيمة والقامة، وأحد أهم القلائل من أبناء جيله الذين جمعوا بين تأليف الموسيقى والغناء والتمثيل. مدرسة متكاملة يغلفها الإحساس الناعم المتسلل في رقة وعذوبة إلى القلوب.
طفل في أوج شهرة وغنى أبيه الأمير فهد فرحان الأطرش، ينزلق من قمة رفاهية العيش إلى بؤس الحياة وشظفها، يطارده الفرنسيون لنضاله ضدهم، قليلون هم من يعرفون أن فريد الإحساس الذي وحد العالم العربي بالإجماع على صوته، عجنته التجربة المريرة وصهره شقاء الحياة حتى بات كالذهب، تصقله النار لفصل المعدن الثمين عن الغث من شوائب الحياة العالقة وكدرها.
حنجرة ذهبية تقف في مساحة فارقة بين ألوان غنائية فنية شديدة التمايز، واضحة حد القوة والغلظة الفنية وبين لون غنائي جديد أدخله فريد بنعومة بالغة، حالة فنية شديدة الخصوصية، نادرة الحدوث والتكرار، بصم على الفن بصمات واضحة في عدة مجالات؛ الموسيقى، الغناء العربي الأصيل والتمثيل الراقي المحترم الذي يحمل رسالة وهدفا، ويعد علامة بارزة في كل مجال طرق بابه.
علق مع أسرته على الحدود المصريةـ السورية في رحلة هروب الأسرة من ضغط فرنسي استفزه كفاح الأمير فهد الأطرش الأب، فنال من أسرته وشتتها في طرقات الغياب والمجهول. طار الخبر للقيادة المصرية، فأمرت بمرورهم عبر الحدود دون أوراق ثبوتية، ضاعت بين أسفار عديدة ورحيل لا يهدأ، مرحلة أخرى من العذاب خاضتها البقية الباقية من الأسرة. لجأت الأم الأميرة علياء المنذر للغناء في الكنائس والأديرة للوفاء بتكاليف الحياة الصعبة، وسداد إيجار الغرفتين الصغيرتين اللتين أستأجرتهما الأسرة للسكن، ثم اتجهت للغناء في روض الفرج (الحي الشعبي العريق) الذي لا يشبهها ولم تكن تشبهه مطلقا، أميرة من حياة القصور برعت في لون غنائي، شامي، متفرد، “العتابا” و”الميجانا”.
ويبدو أن شامية فريد رشحته وبقوة للتربع على عرش لون غنائي غير مطروق، فوحده فريد غنى الطربيات والمواويل والأغنيات الخفيفة دون ترفع، وكان يعتز بأن لا أحد يستطيع منافسته وغناء ما يقدمه إلا المقرئون (مقرىء القرآن)، في إشارة منه إلى قوة حناجرهم.
يستطيع فريد أن يبكي ويضحك مستمعيه لأنه قدم لوحات فنية مسموعة ومرئية، مثل الأوبريت، الطقطوقة، وطوع القصيدة الطويلة بألحان بديعة متفردة، ضخت الدماء في عروق قصائد جافة لتحولها إلى كلمات عذبة، وأخرى تحكي قصة قصيرة، كأغنيته الشهيرة مع الدلوعة شادية “يا سلام على حبي وحبك”، والتي تعد لونا غنائيا جديدا وأسلوبا ساخرا يدعو فيه الحبيب على حبيبه بدعابة أشبه بمشاعر كراهية وغضب.

باختصار شديد يحتاج فريد الأطرش المزيد من الدراسات النقدية لدراسة تحليلية لمدرسته الفنية الرائعة، إعادة اكتشاف ما خفي منها لإعادة إنتاج أشهر وأروع ألحانه مرة أخرى.
حاز عدة أوسمة ونياشين وجوائز من دول عربية وعالمية بلغ عددها 15، مثل وسام وميدالية الخلود الذهبية كموسيقار عالمي من فرنسا، وسام تونس، المغرب، الجزائر، البحرين، اليمن، السعودية، لبنان، الإمارات، الأردن والسودان، بالإضافة إلى منحه الجنسية، كما منح وسام وجائزة “ملك العود” عام 1962 كأعظم عازف عود في مهرجان بتركيا.
ولعل أرفع وسام حازه وأكبر جائزة هي حب جماهير عربية عريضة بطول الوطن العربي أعطته إحساسها وأذنيها ليشدو بعذوبة نادرة، فكيفما هي حالتك النفسية والمزاجية، ستجد لدى فريد ما يناسبك، وكأنه بلا منازع “دفتر أحوال الحب والغناء”، هكذا أراه، موسوعة من العشق والشجن المغزول بصوت ملائكي ينقلك لحالة تحار العقول في وصفها.
يا ليت الموسيقيين يعيدون توزيع أغاني فريد الأطرش ليكتشفه العالم من جديد، فمازالت لديه أسرار تنتظر من يبحث عنها.
كاتبة مصرية

قيم الموضوع
(3 أصوات)
رابعة الختام

كاتبة مصرية