ardanlendeelitkufaruessvtr

أيام تونسية

بقلم مريم حيدري نيسان/أبريل 22, 2016 125

   
أيام تونسية
مريم حيدري
يضيع مني الوقت وأنا في تونس. الأيام صاخبة بالتجول والشمس ورؤية المكان والأصدقاء. وهذا ليس بالنسبة إليّ كزائرة تقيم منذ فترة قصيرة في تونس وستتركها، بل أجد أن حياة كثير من الأصدقاء والصديقات هي هكذا في العادة. عمل ثم الغرق الكبير في الحياة بلياليها المفعمة بالنشوات.
كثير من أجواء العلاقات والصداقات تشبه حياتنا في طهران، لكنها في تونس ذات إيقاع أسرع وصوت أعلى، ربما قرب المسافات هنا له دور في ذلك، ثم هناك أشياء محظورة لدينا هي بديهية في تونس، رغم أني أجد شوارعها اليوم وفي زيارتي الثانية لها بعد أربعة أعوام أكثر حجابا وتحفظا.
قال لي بعض الأصدقاء والصديقات إنهم لا يرون الأمر كذلك ولا يجدون كثيرا من الفرق في ما يخص ظاهر المجتمع، ولكني أشعر أن تونس 2012 والتي كانت تعيش أولى أشهرها بعد الثورة، كانت النزعة الدينية والأصولية أقلّ فيها من الآن، على الأقل في الشارع. قال لي صديقي الباحث المتضلع في التاريخ: إنها فترات لا بد منها وستمرّ. ومع كل ذلك مازالت الروح الحرة وروح الحرية جاريتين في جسد البلد.
لتونس كثير من المفاتن التي تستطيع إغرائي اجتماعية وبيئية. أشجار المجنونة التي سبق وشاهدت كثرتها مؤخرا في مسقط واندهشت بها، تلقي نفسها هنا على أكتاف كثير من الجدران وتلتف بتلقائية مذهلة بكثير من النخيل، وهي هنا صاحبة ألوان زاهية من الزهري القاني حتى الوردي الفاتح والأحمر الناصع الذي حمّرته إلى جانب بياض الجدران واخضرار الأوراق يخلق صورا تسرّ العين، لا أعرف إن كان ثمة علاقة بين اقتران الأخضر بالأحمر في هذه النبتة مع الأخضر والأحمر في هوامش بعض السقوف في القصور والبيوت القديمة الواقعة في الناحية الأقدم لتونس العاصمة والتي يطلق عليها “المدينة العتيقة”، أراني إياها صديقي مشيرا إلى “القرمود المجوّف” كما يسمونه، وقال إنها القراميد التونسية الأصيلة، فكانت الأقواس الصغيرة تحت تلك القراميد خضراء وحمراء.
وإلى جانب المجنونة والتي يسمّونها في العراق والخليج "الجهنمية" وفي الفارسية "الزهرة الورقية" لهشاشة أزهارها، ثمّة أزهار الخطمي التي لم أعرف حتى الآن إن كانوا يطلقون عليها في تونس الاسم ذاته أو لا، وحتى المجنونة والخبيزة، فكل الذين سألتهم من الصديقات والأصدقاء التونسيين المرافقين لي حتى هذا اليوم كانوا غير عارفين بأسماء النباتات. الخبيزة التي هي نبتة لا تتجاوز الخمسين سنتيمترا عندنا وأعشقها لونا وشكلا وحضورا، هي هنا شجيرة رأيت أنها في بعض الأماكن كثيفة جدا ويتجاوز طولها المتران.
في طهران أستيقظ صباحا وهناك صوت الحمائم خلف الشباك وكوّة المكيف، أما هنا فيوقظني صوت رقيق وكثيف، هو صوت العصافير الذي يبدو لي أنها عشرات العصافير تغرد في جواب وقرار، وذلك يمكنك أن تسمعه مساء ووقت غروب الشمس من قلب كثير من الأشجار.
على يميننا ونحن ذاهبون إلى مدينة الحمامات من تونس العاصمة، كثير من مزارع الزيتون والعنب، الأرض خضراء وسعيدة بهما، والسماء الزرقاء بغيومها الطويلة المتصلة ببعضها من أطراف دقيقة، شاهدة على أن البلاد التي يحبها الله لابد من أن يهبها الزيتون والعنب!
ثم هناك ألوان لا اسم لها، ألوان تخرج من الأزرق والأخضر، تدهشك وحين تريد أن تصفها لا تجد لها الاسم. تلك كانت ألوان خرجت من البحر وتغيّرت بسرعة لونا بعد لون، ونحن مطلون عليه من منطقة سيدي بوسعيد الجميلة الواقعة شمال شرق تونس العاصمة. البحر الذي تحيط به أشجار المجنونة أيضا والسرو والزيتون.
كي أكتب عن تونس والأيام هذه التي أعيش فيها وما رأيت وما شعرت، لا تكفي مساحة مثل هذه، مازالت تفاصيل الأمكنة، أزقّة المدينة العتيقة، لقائي بالطلبة الجميلين العاشقين للأدب في دار المعلّمين العليا، شغفي بالشّعر في ليالي الأولى في تونس وكثير من الأشياء الأخرى، لذلك قد يكون هذا المقال مفتوحا على تتمّات أخرى من المقالات كي أسجّل فيها المشاهدات واليوميات والأيام والليالي التونسية.
   
           
سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)