ardanlendeelitkufaruessvtr

إعادة اكتشاف حنا بطاطو

إعادة اكتشاف حنا بطاطو
 صباح ناهي
لم يحظ باحث أكاديمي باهتمام مثلما حظي به حنا بطاطو، فالكثيرون لا يتخيّلونه إلا عراقيا وإلا آنى له هذه المعرفة بالتفاصيل العراقية الدقيقة.
وبطاطو المولود في القدس العام 1926 والمتوفي بأميركا في يونيو 2000 يكاد يكون فلتة زمانه حقا، بشفاعة منجزه العلمي الذي خرج به خلال دراسة استمرت عشرين سنة عن التاريخ المعاصر للعراق بمنجزين: أطروحته للدكتوراه عن “الشيخ والفلاح في العراق” التي قدمها لجامعة كامبريدج ونال عنها الدكتوراه وبحثه الموسوم “العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية” بالإنكليزية في لندن العام 1976 ونشر بالعربية ضمن ثلاثة أجزاء، البحث الذي عدهُ بعض الأوروبيين “إنجيل العراق” كما أسماه عالم أنثربولوجي ألماني، لما تضمنه من ولوج غير مسبوق في تفاصيل التاريخ العراقي وكيف يتفاعل ما هو اجتماعي وسياسي وإثني مع المال والسلطة والحكم.
أما كيف وصل بطاطو إلى معرفته بملفات الأمن العراقية، فهذه قصة القصص، وكيف وظفّها في خدمة بحثه الأكاديمي ببراعة الباحث الموضوعي الذي يسعى للمعرفة دون سواها، قصة أخرى حتى نالت اهتمام العراقيين وسواهم بل وانتزعت الإعجاب منقطع النظير لهذا الباحث الذي عاش فقيرا في أميركا مفجوعا باحتلال وطنه القدس بعد أن غادرها العام 1948 دون رجعة ثم انتقل إلى بيروت أستاذا في الجامعة الأميركية مع زوجته الجزائرية، يعيش على الكفاف ويعكف على التأليف وسبر غور الحقيقة العراقية أولا ثم السورية وكأنه قد غادر أميركا ليقترب من مسرح الأحداث بمنطقة الشرق الأوسط، ويوصف ويشخّص حالها بمنهج علمي، ليصل إلى وضع أهم كتاب عن التاريخ العراقي المعاصر. كيف ذلك؟
هذا هو السؤال الأهم في حكاية بطاطو الذي وصل إلى ملفات الأمن العام العراقي الحصينة بعد سقوط النظام الملكي وقيام العهد الجمهوري العام 1958 بعد أن عقد صداقة مع الزعيم عبدالكريم قاسم الذي منحه فرصة الدخول في المحظور العراقي وهي ملفات الأمن العام وأضابيره الصفراء، وخرج بمعطيات لم تتح لغيره، مكنّته من معرفة ما يدور في فضاء الخفاء السلطوي.
كُتاب وباحثون عراقيون أنجزوا أخيرا مؤلفا عن بطاطو عرفانا لمنجزه يحمل اسم “حنا بطاطو في سيرته ومنهجه وتفسيره لتاريخ العراق المعاصر” لمجموعة من اليساريين الذين عرفوا بطاطو والتقوه، والذين أجمعوا على فرادة منهجية والتي بدا من خلالها مؤرخا موضوعيا فذا للحركات الثورية في العراق لم يسبقه أحد في توصيف دينامياتها.
قبل التحدي بسؤال سجين شيوعي قيادي هو زكي خيري اقتيد إليه بالسلاسل من غياهب سجن قصر النهاية ببغداد، ليسأله: هل أنت قادر على أن تكتب بحياد؟
ظلت جملته تلك ترنّ بأذن بطاطو وتدور بعقله ووجدانه وهو يكتب عن تاريخ بلد كالعراق الكلمة فيه قد تقتل صاحبها وناقلها معا. حتى أنتج دراسة رائدة تعتمد على منهج علمي وصفي يواشج بين تفاعل الحركات السياسية مع البنى الاجتماعية مع متغيّر الاقتصاد السائد وأنماط العلاقات بين الطبقات المجتمعية في صراعها الأزلي.

قيم الموضوع
(1 تصويت)
آخر تعديل على الخميس, 23 تشرين2/نوفمبر 2017 04:27
صباح ناهي

كاتب وصحفي عراقي