ardanlendeelitkufaruessvtr

أين عازف الناي

بقلم شيماء رحومة كانون1/ديسمبر 11, 2017 159

أين عازف الناي
 شيماء رحومة
قررت أن أجلس أمام شاشة التلفزيون وأمسك بكل حزم الريموت كنترول وأتصفح وجوه الخلق الموزعة بين قنوات لا حصر لها. لكنني لم أجد أحدا، مما أثار بداخلي الريبة أين ذهب كل الخلق؟ فإلى وقت قريب عشق الناس مدّ رؤوسهم من أمام كاميرات جابت الشوارع على غير هدى.
ضغطت بكل قوتي على أزرار الريموت كنترول لعلي لم أحسن كبسها، لكن دون جدوى، ولم يتغير المشهد فراغ ولا غير الفراغ.
هل مل الناس فجأة الشاشة الصغيرة أم غيروا وجهتهم؟ وعندما استبد بي اليأس وكدت أغلق التلفزيون ظهرت وأخيرا الصورة مشوّشة، لكنها ظهرت
اعتدلت في جلستي واستنفرت كل حواسي وبدأت أطيل النظر والتمعن. في البداية خلت أنني أتابع لقطات مبعثرة من فيلم درامي أسرف صاحبه في تصوير عالم عربي متلبس بعادات غربية، لكنني تيقّنت بعد حين أنني أشاهد واقعا عربيا مغرقا في فيلم غربي يجمع المخدرات بالدعارة والمجون ويسقط مشاهد من نهم للاغتصاب والقتل وإراقة الدماء.
غيّرت القناة تلوى الأخرى وأنا أردد بيني وبين نفسي حتما إنني أخطأت القناة ووضعت سهوا قناة ذات ملامح لا تمت بصلة للواقع. وبعد برهة استقرت الشاشة على صوت مذيعة مليحة تسرد نشيدا وطنيا حفظه جيل بعد جيل يسرد أحوالا جوية لا يلوح لي أنها ستتغير يوما ما، فحالها من حال البلاد والعباد، إما حرارة مرتفعة فوق طاقة البشر وإما برد قارس يسكن العظام.
وحتى هذه لا طائل من الركون إليها طويلا فلنرى غيرها، وهذه المرة أطلّتْ خطوط شديدة الحمرة في رسم بياني كل أسهمه تشير إلى الأعلى وبخبرتي المتواضعة في عالم الاقتصاد والمال تبيّن لي أنها تلخّص في سطرين غلاء المعيشة الضارب في أصقاع الأرض.
وفجأة ضربت كفا بكف وقلت ضاحكة حتما هذا كابوس عليّ أن أسرع بالاستيقاظ فورا، فضغطت وضغطت حتى ظهرت شعارات كثيرة ومسيرات رهيبة وأصوات متداخلة تردد أو هكذا بدا لي “أنا أيضا” لكن ماذا تقصد بأنا أيضا؟ تم التحرش بي ممن؟ من رئيس تحرش بالعالم غير عابئ بكرامة عربية نشب أبناؤها بأعالي القمة الشماء أم من أرباب عمل يعتبرون أنفسهم أصحاب فضل في زمن يقدس البطالة أو من آباء أسكرتهم حتى الثمالة نشوة الحياة فاغتصبوا حق بناتهم في تكوين أسر سوية وداسوا على أجسادهن مسلطين سيوفهم البطركية على رقاب النصف المغضوب عليه من المجتمع.
أعيتني الحيلة مع الشاشة الصغيرة فهل تراني سأجد ضالتي أم أن عليّ إغلاقها ومطالعة كتاب أفضل؟
مهلا لقد وجدت فقرة غنائية تصدح صاحبتها ذات القوام الرشيق بصوتها الرنان لحنا خارجا عن المألوف فيه شيء من الابتذال وقلة الذوق والكثير من الصور المقتبسة من المجلات الإباحية. تلك الممنوعة من التداول والنشر على ما أظن بين مختلف شرائح المجتمعات العربية.
مازلت متشبّعة بالأمل علّي أطفئ بذرة الألم التي بدأت ترمي بجذورها داخل أعماقي، وفعلا تلمّست بعضا من النور في إحدى القنوات، حيث بدا البلاتوه مؤثثا بشكل بسيط للغاية وخاليا من مظاهر البذخ والديكور الأوروبي والجمهور العصري حتى الإضاءة كانت تشبه إلى حد ما قبسا من فانوس سحري عثر عليه من زمن قديم، وكان يجلس شيخ وقور وفتاة محتشمة في لباسها وكلامها تستمع بانتباه شديد للعبر والحكم الصادرة عن جليسها.
لم يكن في كلامه وحركاته ما يشي بأنه على دراية كافية بما يلوكه منذ ساعات ولا يبدو لي أنه يعي ما يقول بل يردد ما لقّن وبالنهاية ختم بعد أن أطال حتى خلته مستبدا بالقناة “لا تجعلها تقف عندك انشرها ولك الأجر وإن لم تفعل سيصيبك مكروه في أهلك ومالك وجسدك.. اللهم إني بلغت”.
وأخيرا ظهرت لي الصورة واضحة بعد أن كانت لساعات تترقص أمامي، لم أنتظر لحظة أخرى بعد كبست بغضب شديد على الأزرار جميعها أريد أن أغلق الجهاز الذي أمامي إلى الأبد. طيب من السهل إغلاق التلفزيون ولكن هل من اليسير إنهاء مآسي الشعوب؟ وهل كسرُ الشاشة الصغيرة سيعدل من سلوكيات الخلق بعد أن انحرفت عن مسارها المعهود؟ وهل سيحل قبر الصندوق العجيب مشكلات المجتمعات العربية والغربية على حد السواء؟
ستظل كل هذه التساؤلات حبرا على ورق إلى أن يجوب عازف الناي العالم من أقصاه إلى أدناه عازفا لحنا فريدا يوقظ الناس من غفلتهم علّهم يهبّوا لنجدة بعضهم البعض وينقذوا الجيل القادم من قيود الحاضر للفوز بمستقبل أفضل.
كاتبة تونسية

قيم الموضوع
(0 أصوات)