ardanlendeelitkufaruessvtr

أسرع هزيمة في التاريخ

 
مَحمود الجاف
 
مَعركة عين التَمر ...
مَن قرأ التاريخ يَرى صُورهُ تتكَرر وتعود وماجَرى بالأمس نراهُ اليوم وصدق الله سبحانهُ حيث قال ( إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)
كانَت الحامية المَوجودة في مَدينة عين التمر مُكونة من قُوتين كبيرتين : فارسية بقيادة مَهران بن بَهرام وعربية نَصرانية وهُم خليط من قبائل تَغلب وإياد بقيادة عُقة بن أبي عُقة الذي طلبَ من الفُرس أن يَخلوا الساحَة ليقاتل دونَ مُساعدتهم وقال لهُ : " إن العرب أعلم بقتال العرب فدعنا وخالدًا " ..
ولك أن تفهم النفسية المَريضة التي دفعت هذا الأحمق لهذا الطلب الغَريب فالغُرور والحقد والرغبة في الفخر والزهو وتحقيق الأمجاد بالانتصار على المُسلمين دفعهُ بل وتمادى في غيهِ وقرر الخُروج إلى الصحراء المَفتوحة لقتالهم كأنهُ يسعى لحتفهِ بقدميه كما يقولون فهي أصلاً ميدانهم المُفضل وعندما سمع مَهران كلامه قال له : "صدقت لعمري لأنتم أعلم بقتال العرب وإنكم مثلنا في قتال العجم دونكموهم وإن احتجتُم إلينا أعناكم " . إنتقده قادة الفرس وقالوا : " ما حملك على أن تقول ذلك لهذا الكلب " فقال لهم : " أنا لم أرد إلا ما هو خير لكُم وشر لهُم وقد جاءكم من قتل ملوككُم وفلَّ حدكم فاتقيتهُ بهم فإن كانت لهُم على خالد بن الوليد فهي لكُم وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهُم حتى يهنوا فنقاتلهُم ونحن أقوياء وهم ضُعفاء " .
إن أعدائنا مَهما حاولَ البعض خدمتهُم ولو بروحهُ فلن يعدوا قدرهُ عندهُم الكلب كما قالت الفُرس عن أعوانهم وهكذا وصلوا لمآربهم الخَبيثة قديمًا وحديثًا على أكتاف طابور طويل من الجراء وما أكثرهُم!!
خرجَ عُقة بن أبي عُقة ومن معهُ من المَدينة وأوغَل في الصحراء لمُبادرة المُسلمين بالهجوم حتى وصل إلى مَنطقة الكرخ وعبأ خالد بن الوليد الجيش بسرعة واستعد للقتال ولما نظر إليه عرف أنه شديد الغرور وقرر القيام بعملية بارعة جريئة انتخب لها مَجموعة من الأبطال فانقضوا على العدو كما ينقضَ الأسدُ على فَريسته حيثُ كان عُقة مَشغولاً بتسوية الصُفوف ولم يفيقوا من هول الصدمة إلا وقد حملهُ خالد بين يديه كالطفل الصَغير وأسَرهُ وعاد به إلى قواتهِ فتجمَدت الدماء في عُروقهم وركبهُم الفزعُ الشديد فَفروا من أرض المَعركة دون أن يَسلوا سيفًا واحدًا في أسرع هَزيمَة عَرفها التاريخ .
ثم واصل سيرهُ حتى أسوار المَدينة وكان مَهران وحاميتهُ الفارسية قد عرفوا بما حل للمَغرور ومن معهُ ففروا هاربين تاركين أعوانهُم لمصيرهم المحتوم ... وعند دخولهم وجدوا كنيسة يتعلم فيها أربعون صبيًّا الإنجيل فلم يتعرضوا لهم بالقتل وذلك من عدل الإسلام ولم يأخذوهم بجريرة بني جلدتهم المُقاتلين وكان من بينهُم شاب إسمهُ " نصير " هو أبو " موسى بن نصير " فاتح الأندلس وأيضا " سيرين " أبو عالم زمانهِ ومُفتى الأمة في عصرهِ " محمد بن سيرين " . واستطاعوا بعد هذه المَعركة إخلاء المنطقة الواقعة بين الحيرة ودومة الجندل من أية قُوات مُعادية لهُم من الحاميات الفارسية وغيرها ..
لم يكُن خالد من القادة الذين ينتظرون المُفاجآت بل كان يعمل دائمًا على بث عيونهُ قبل خوض أية مَعركة . لأنهُ كان يعلم ويقدر أهمية العمل الإستخباري الذي يُؤدي إلى انتصارات خاطفة وسريعة ومُدمرة لنفسيات العدو وقواتهِ ..
مَتى يرزقنا الله بمثلِ خالد رضيَ الله عنهُ وأرضاه ... قال تعالى (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)
قيم الموضوع
(2 أصوات)
الشيخ محمود الجاف

كاتب عراقي