ardanlendeelitkufaruessvtr

أبوظبي وعلاقة المكان بالمكين

بقلم كرم نعمة كانون2/يناير 08, 2018 137

أبوظبي وعلاقة المكان بالمكين
لا يخضع منظرو جماليات المكان للدهشة وحدها التي تبثها المدن في قراءة الضامر والمعلن، بل يبحثون في الاتساق والاطمئنان الحسي والتعبيري للمتحف الكبير الذي تشكله المدينة.
وتكاد العاصمة الإماراتية أبوظبي تجسد بامتياز علاقة المكان بالمكين، فهناك عملية خلق مستحدثة استقدمت فيها الحضارة بأقصى معطياتها إلى بيئة صحراوية من دون أن تخسر بداوتها.
لم يحدث أن لقي الجمل بوصفه سفينة الصحراء الحربية من العناية والاهتمام كما تلقى مباني وطرقات المدينة، إلا في مدينة متسقة مع أناسها كأبوظبي، الصحراء كانت طيعة في الاستجابة لقراءة ناصحة في المستقبل، وقبلت بسعادة غامرة أن تتحول إلى مدينة تمتلك مقومات الحداثة المتجددة، من دون أن تفقد هذه الصحراء صحراويتها الساحرة.
كنت في أبوظبي المدينة وتأملت المتحف المعماري المشيد بأناة ودقة متناهتين، بينما لم تفقد الصحراء على امتداد الربع الخالي حسّها بجغرافية الأثر، بقيت صحراء معبرة عن دلالة وجودها الجغرافي وهي تتغير مستوعبة خدمات لا تحظى بها عواصم مدنيّة كبرى.
الجغرافيا في أبوظبي تغيرت بمدنيّة المكان، وحافظت على إرثها الصحراوي، وتلك ثنائية لم تحدث في تاريخ المدن إلا في العاصمة الإماراتية، ولو تسنى للنوبلي جان ماري لوكليزيو إعادة اكتشاف السر في روايته العميقة “صحراء” لكانت أبوظبي الدرس الأمثل والأعمق له.
فهو قد كتب عن أناس ملتصقين بالأرض والبحر، منهما تأتي حكاياتهم، ومنهما يستمدون وجودهم. ومن أولئك أخذ وحدة الوجود الذي يدين به لوكليزيو.
تسنى لي أن أسأل البدوي ساري المزروعي عن السر الذي يربطه بالصحراء، بينما يمتلك منزلا فخما مجهزا بأرقى المواصفات، ولديه من الثروة والجاه والأبناء ما يبقيه مرفها لما بقي من عمره.
قال هذا الرجل الذي يقترب من منتصف عقده الستيني، إنها علاقة قائمة في حياتنا الجديدة في الإمارات، فأنا أمتلك 500 رأس من الإبل وبقدرها أسطول من السيارات في شركة نقل يديرها أولادي، لكنني لا أستطيع التخلي عن كوني نتاج هذه الصحراء، قبلت بالحياة المتجددة ولم أتخلّ عن إخلاصي للصحراء. تحدث لي المزروعي في مجلسه الممتد على أفق الربع الخالي وكأنه يكشف عن ذخيرته الروحية التي رسمها قبل خمسين عاما على رؤى الرياح المدوية والرمال السافية وهي تمنح ظهرها للبحر، كي يبقى متصلا بالسر.
ذلك مبعث السرّ في ثنائية الحضارة والبداوة الذي اكتشفه لوكليزيو وهو يكتب عن ملحمة الطبيعة الخارقة في العلاقة التي تربط ما بين الأرض وسائر مخلوقاتها من بشر وحيوان ونبات.
كان غاستون باشلار منظّر جماليات المكان يعرّف البيت بكونه المكان الذي يجب أن يقبلنا عندما نذهب إليه، وهذا تعريف لأبوظبي بوصفها بيتا كبيرا للمروءة وتبجيل الكرامة.

قيم الموضوع
(0 أصوات)