ardanlendeelitkufaruessvtr

آل جعفر" كتاب حديث الخميس بين كاتب وقاريء

طلال سليم آل جعفر
حديثة ٢٠١٨/١/٥م
 
فرغت للتو من قراءة النسخة الالكترونية لِكتاب حسّان الحَدِيثي ( حَديثُ الخَميس . . قُطوفٌ أدبيةٌ ) الصادر عن دار المؤلف / بيروت  ووجدتني مثقلاً بهمين ، همٍ يتمثل بضرورة التعريف بالمطبوع ولا أرى عُذراً لمحبِ ألأدبٍ أن يمرَّ به ولا يقتنيه وينوه عنه وما انا بالمؤهل للكتابة عن انجاز كبير كالذي اتحدث عنه ، وتمنيت لو تهيأ له -وسيتهيأ- من يعطيه حقه اذ أرى بحسان الحديثي (رافعي) هذا العصر بأسلوبه وانتقالاته في قطوفه الادبية بين النقد الأدبي والشعر والبلاغة في مقالاته وقصصه وأحاديثه عن المدن حتى بدأ بما احتواه وكأنه (تنزيل من التنزيل) ولا (سعد) يوشحه بمثل هذه الكلمات الخالدات التي قدم بها المرحوم سعد زغلول كتاب المرحوم مصطفى صادق الرافعي الشهير (وحي القلم).
 
وبين محاولتي الكتابة عنه وتجاهلها ليقيني اني لن افيه حقه استرجعت ما كنت افكر به منذ ما يزيد على العامين حين هيأت نفسي للكتابة عن عَلَمٍ حَديثيٍ في الأدب حالت سنيُ النزوح والتهجير دون ذلك وأعانني الاستقرار النسبي اليوم ان اكتب عن  حسان وعن كتابه (حديث الخميس) مؤملا نفسي بفيض من الجمال الذي نفتقده  في معظم ما نقرأ اليوم لذا ما ان وصلت ليدي النسخة الألكترونية للكتاب الذي سيعرض في المكتبات بغضون ايام كما علمت حتى أخذت بقلمي بعد ان جرفتني سيول بلاغته وجماله واختياراته وسمو فكر مؤلفه للتنويه بالكتاب الذي عرفت مؤلفه شابا علميا اكثر منه اديبا وفنانا اكثر منه كاتبا .
 
كان حسان الحديثي شاباً مفتوناً بالموسيقى فاقتنى (عوداً) وتعلم العزف عليه وبحث عن روائع الاعمال الفنية وضمها لخزانته واذكر انه ذات يوم سألني عن رائعة احمد شوقي ( يا شراعا وراء دجلة يجري) والتي امتدح فيها المرحوم فيصل الاول ملك العراق والتي لحنها وغناها الموسيقار محمد عبد الوهاب وحين اجبته اليها وكنت احتفظ بها مسجلة على كاسيت -ورحم الله ايام الكاسيتات- اخذها فرحاً بها رغم عدم وضوحها وضمها لمكتبته حيث احس أنه أولى بها مني وقد عوضنا عنها وسواها التقدم العلمي الذي وفر لنا كل ما نريد ومتى نريد وأغنانا عن هموم مطاردة المطبوع صوتا او صورة ، غير ان حسّان فرّ من الموسيقى بعد ان رآها (ما توكل خبز) الى عالم الأعمال والتجارة بعد تردي الوظائف وسقوط قيمها ابان سني الحصار بداية تسعينيات القرن الماضي فعلا نجمه في عالم التجارة والأعمال متنقلا بين مشارق الارض ومغاربها وقطع فيها أشواطا قبل بروزه أديباً وفناناً .
 
لقد تملكني اسلوبه في الكتابة وتناوله للمواضيع فاحببته كاتبا فوق حبي له صديقا قريبا لكني خفت عليه من ان يأخذه الأدب لأكثر مما هو مسموح به  فيفقره بعد غنى ويتعبه بعد راحة ويقص جناحيه ويقعده بعد تعوده التحليق في الأجواء والضرب في الآفاق فأشرت له حينها ان يقصر من حبل الآداب ان لم يجمعها الى التجارة واياك -قلت له محذرا- ان تدع حرفة الأدب تدركك فتقعد ملوماً محسوراً وقد قالت العرب قديما عن المشتغلين بالأدب واغلبهم من المعوزين (فلان ادركته حرفة الادب) ولا نريد لها ان تنال منك كما اننا لا نرضى لك مجافاتها والبعد عنها فكانت احاديث الخميس عيدا لمتابعيه ومحطة استراحة تتهيأ بها النفس للجمعة وسباتها عند البعض او تفرغ الاخر للاحتفاء بها والاحتفال .
 
حييت ابا جعفر يا رواء الادب والفن والابداع ومعذرة لأطالتي الوقوف في محطات من ايامك الجميلة فقد عجزت عن الأيجاز اذ ليس لي قدرتك على ذلك وتأخرت في تصفح احاديث خميسك الجميل وقطوفك الادبية التي لا استطيع الا ردها الى عصر النهضة الادبية العربية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ولو كنت من اهل تلك الايام لأخذت مكانك الى جانب العقاد والرافعي والمازني وسواهم ولتفوقت على الكثير من ادباء ذلك الجيل عسى الله ان يهيء لأحاديثك دارسا يحمل جينات ذلك العصر الذهبي لتغدوان – بمعيته - علمين من اعلام جيل نابض بالابداع حضر بيننا متأخرا وقد لا يفهمه الكثير من ابناء جيل الانترنيت والفيسبوك وكتابات الببسي كولا التي لا تعيش بعد قراءتها الا بالقدر الذي تفور به قنينة الببسي للحظات ثم تهمد وتعود ماءا ضره اكثر من نفعه واتمنى ان لا اكون قد قسوت على كتابات هذا الجيل الذي برز فيه الى جانب الشعر كتاب كبار كالدكتور وليد الصراف الذي ابدع في تقديمه لكتابك ايما ابداع وهو يقول ( حسان الحديثي جملة في كتاب اسمه حديثة ، وحديثة ليست كأي ارض وحسان جملة ليست كأي جملة ) ولم يجانبه الصواب فيما قال فحديثة كتاب جميلة فصوله زاهية صفحاته بجمل ليست ككل الجمل وهي ليست بالقليلة وان كانت جملتك من ابهاها جمالا يا حسان .
 
لقد زخر (كتاب الحديثة) - وليسمح لي الدكتور وليد باستخدام تسميته هذه – بأكاديميين وادباء وساسة وشعراء وفنانين كبار شعت انوارهم بكل اتجاه لكنه ظل مفتقرا لفصل نثري تفيض سطوره بالتبر حتى برزت فكنت ناثرا عراقيا بل عربيا كبيرا يفخر به (كتاب حديثة) ويؤشر لنا الى ما يكتنزه من صفحات هذا الفصل الراقي الذي تتابعت ابوابه فكانت (الأخلاق) وعلى لسان الكاتب (بحر بلا شاطيء وفضاء مفتوح النهايات . . يحتويها الذليل فيعز ، ويعافها الشريف فيذل . . ويكفيها عظمة ان الأنبياء انما بعثوا ليتموا مكارمها ) كما يكفيها ان تحدث عنها الكاتب في فصل كتابه الاول (المناسبات) وهي سمة من سماته الذي امتلأ بها وتحدث عنها بما يحمله منها والاناء ينضح بما فيه كما قالت العرب . اما في الباب الثاني (البلاغة) فقد تحدث عن جملة من المواضيع البلاغية بمقالات كان من جميلها تناوله لـ (الاعتراض في اللغة) والذي عدّه ضربا من ضروب البلاغة متمثلا بآيات بينات من القرآن الكريم واشعار قديمة ومعاصرة من ديوان العرب برزت الجمل الأعتراضية فيها بشكل زاه زادها جمالا بشدّها لانتباه القاريء اللبيب كقول الشاعر العراقي مهند ناطق :-
 
              وكان اذا -والموت يزجي طفوفه -    
 
                                  يئـــن تجلــى آنـــة ثــم أطـــرقــــا
 
اما حين انتقل الكاتب الى الباب الثالث ( الشعر) ومر بشعراء فحول قدامى ومحدثين وكتب عن بعضهم وجادل وحاجج البعض الآخر فيما قال ، واعجب واستهجن استوقفته شاعرية لم تأخذ حقها لدى الدارسين لأن صاحبها كان من جيل الحصار التسعيني في العراق الذي عاش معاناته ومات فيه شابا وشاعرا أخلّ موته بميزان شعر وشعراء الموصل آنذاك واعني به الشاعر محمد البياتي تغمده الله برحمته صاحب (معلقة الفارس) المؤلفة من ثمانين بيتا او يزيد لم يعتر ايا من ابياتها ضعفا او خللا او هوان او (راحة بال) مبتدئا اياها بقوله :
 
   علـى مثلها الأيـام وقـف ركابهـا        وغصة حاديها ونـوح غرابها
 
ومنتهيا بقوله :
 
  انادي بأقصى الكون يا دهر ردني     الى ساعة بالعمر منها ابتدا بها
 
اما في باب الكتاب الرابع الذي خص به (الشعراء) فهو كسابقه يفيض بالجمال والجدل العلمي المثمر لا البيزنطي مع شعراء الفصل المبرّأ من كل عيب الا انفصاله عن الفصل الذي سبقه ( الشعر) وكان الاولى به على ما ارى دمج الفصلين بواحد يحمل اسم (الشعر والشعراء) او (شعر وشعراء) ، وقد يكون للمؤلف في تبويبه لفصول كتابه قصد لم نفكر به وهو به ادرى ، وتبويبه للكتاب على ما هو عليه لا يشينه حتى لو خرج قاريء سواي واحتج على استقلالية (بدر شاكر السياب)  بالفصل الخامس وعلام لا تدمج المقالات التي كتبت عنه بالفصل الخاص بالشعر ؟، وعلى هذا المتسائل سأرد مبررا ان السياب لم يكن شاعرا وحسب بل كان ظاهرة وما للظواهر ان تدمج في عموم الأحداث وهو ما وعاه وفهمه المؤلف فأفرد له بابا خاصا كان من امتع الفصول على ما فيه من اوجاع . اما حين انتقل بقرائتي الى الفصل السادس (تحليلات ادبية ) اجد بحسان خير محلل (لليل) وفهم الناس له ووحدته ووحشته وهمومه وما فيه من اسرار ومعاناة تطوف رؤوس وخيالات الساهرين فتعصف ببعضهم  وتدع صنفا منهم حيرى بماذا وعن ماذا يتحدثون وهل لهم سوى الاتكاء على قول الشاعر والتاسي به :
 
          في ليل صول تناهى العرض والطول ... كـــأنمـــا ليلــه بالليـــل مـــوصـــول
 
وقد يتعامل معه آخر بلا ابالية بعد ان اشتبكت عليه الطرق وتساوت عنده النتائج فيقول : 
 
يا ليل طل او لا تطل     لا بد لي ان اسهرك
 
 لو كان عندي قمري      ما بت ارعى قمرك
 
مستسلما لأفلاسه من قمره سواء كان قمره نقدا (قمري) او عشقا (حبيب) متماهيا مع الشطر الاول لبيت (دارمي) من الشعر العامي العراقي ندبت به امراة حضها الذي اجتمع عليه ليل شتائي بارد مع قرين لا يهواه القلب فقالت :
 
   ليل الشتا مكروه طول وبروده       وبالزلف بين شيب من مدت ايده
 
وما ان يخرج القاريء من حديث الليل والهاماته عند حسان ويصبح مع صباحه حتى يسوح واياه بين (المدن البلدان) وهو باب الكتاب السابع الذي يقودنا فيه المؤلف بمدن بلدان منها العراقية كالموصل وحديثة والبصرة او عربية كزحلة او غربية كبراغ وباريس لا ترقى جميعها عنده للمكانة التي احتلتها مدينته (حديثة) كما عند سواه من الحديثيين حيث يتشكل كما يقول هو:- (حديث الحقول للتلال ، وهمس الشواطيء للرمال ... وكأنها محور الارض وقطبها الذي تدور حوله القلوب والعشاق والمدن ) ومرفأ آمنا للمحبين العائدين الى ثراها او الحالمين بها المؤملين انفسهم بالعودة لأحضانها عساها تكون قريبة لتغدو شاطيء امان ومحطة استراحة اخيرة كاستراحة الكاتب في فصل كتابه الثامن والاخير (قصص قصيرة) عالج فيها فن القصة بأربعة نصوص رائعة لعل قصة (العلم) منها كانت الاجمل التي تعاطفت مع بطلها واحببته وتغاضيت عن عيوب وجحود الانجليز لأجله وترحمت عليه وكأني اتعامل مع رجل حقيقي لا بطل خيال لقصة قصيرة اجاد حسان نسجها بأحبك واجمل صورة واسلوب .
 
  لحسان الحبيب بعد هذا العرض السريع لكتابه ود عميق واعجاب ما فوقه اعجاب اؤكد من خلاله وبدون مبالغة اني كنت اتحسس في بعض فصول الكتاب روح ورائحة مصطفى صادق الرافعي ولو لم اكن من قراء الرافعي المحيط بجميع ما كتب لاتهمت حسان – وحاشاه – بالتسلل الى تراث الرجل والسطو عليه وهذا لا يعني الا ان حسان بلغ من السمو في الكتابة للدرجات العلا حتى وان استفاد او تأثر بتراث الكاتب الكبير ، ومن من كتاب النثر الحقيقيين لم يترك الرافعي به اثرا لا يقل عن الاثر الذي تركه السياب في كل شعراء التفعيلة الذين جاءوا بعده ؟ .
 
تحية كبيرة لحسان الحديثي ولقطوفه الأدبية ، ومبارك لمدينة حديثة هذا المَعلم الشامخ الذي أقامه حسان على طريق أدبها وأُدبائها ، ومبارك للآداب عامة والنثر خاصة بكل ابوابه وتشعباته هذا الانجاز الذي سنقول عنه منذ الساعة و(برهاوة) لقد غدا لنا في حديثة بل في العراق كاتب نثر وناقد ادبي منصف من الطراز الاول ، وقاص وشاعر لو شاء واراد.
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الخميس, 23 آب/أغسطس 2018 20:12
حسان الحديثي

عراقي من مواليد مدينة حديثه/العراق ويعيش حالياً في المملكة المتحدة
كاتب وباحث ودارس في ألادب العربي وتاريخه
يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية
له مخطوطتان تحت الطبع هما ” حديث الخميس ” ، ” والسياب شاعر الانسانية الاكبر ”