ardanlendeelitkufaruessvtr

'بالريش'

بقلم ريم قيس كبّة كانون2/يناير 24, 2018 111

'بالريش'
يرن هاتفي في الخامسة صباحا.. فأكاد أموت من فزعي وأنا أرد.. يأتيني صوت أمي صارخا: “الحقيني.. غرقنا!”.
لا أستوعب ما أسمع.. هل فاض نهر دجلة؟ ولكننا في لندن! تتهافت أسئلتي وأنا أجاهد كي أفتح عيني وأركز سمعي وأستجمع حواس الإدراك وأبادرها “هل أنت بخير؟ أبي بخير؟ أين أنتما الآن؟ ماذا حدث؟” وترد بصوت أعلى ولكنه يهدّئ من روعي قليلا ويطمئنني “وأين يمكن أن نكون؟ في البيت، وبخير حتى هذه اللحظة، فنحن نجيد السباحة! بيتنا هو الذي يغرق، اتصلت بالإطفاء وهم في الطريق، تعالي بسرعة”.
الإطفاء؟ هو حريق أم غرق؟ شرّ البلية ما يضحك! أبتسم لأكتم ضحكتي، مازلت فزعة غير مستوعبة، أغسل وجهي بسرعة وبعنف كأنني أحاول أن أصفع وعيي لأزيل عني سكرة النوم، أقفز في ملابسي، وبعد دقائق أكون في بيتهم، وعلى الرغم من أن الطريق لا يستغرق أكثر من ثلاث دقائق إلا أنه بدا وكأنه مسيرة عام.
وما إن دخلت ورأيت أن أبي وأمي بخير وتجولت في البيت وفهمت ما حصل حتى قلت في سري “الحمد لله.. بالريش”، وهو تعبير عراقي صرف كناية عن مصيبة تحصل وتنتهي على خير، وكأن المثل يشير إلى طائر كتب له الله عمرا جديدا إذ أفلتته طلقة صياد فلم تصب منه سوى الريش.
كانت سيارة الإطفاء قد وصلت قبلي، وترجل منها شباب مثل الورد، أسرعوا إلى “إطفاء” الكهرباء الرئيسة التي تغذي البيت وإلى إغلاق حنفية الماء التي “أغرقت” بعض أركانه.. وفهمت أن ثمة كسرا حدث في أحد أنابيب الماء في الطابق الثاني وكان الماء يهدر شلالا عبر ثقب في السقف نازلا من سلك كهربائي تعلقت به “الثريا” التي تضيء الصالة الكبيرة!
لا شك أن المشهد كان مرعبا، فلا يمكن للكهرباء والماء (قطبي حياتنا الرئيسين في العصر الحالي) أن يلتقيا في سلك واحد! (كهرباء + ماء = كارثة حقيقية!) معادلة سهلة لكنها مرعبة، وهذا يفسر ربما سبب وجود فريق الإطفاء، إجراءات احترازية سريعة جدا، فالإنسان هنا قيمة عليا.
نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجهزة كهربائية وأثاث وسجاد.. وبعد سويعات قصار تكون الأمور على ما يرام تقريبا ويصبح البيت قابلا للعيش ولو لبعض الوقت، وحجم الخسائر يكاد ألا يكون ذا قيمة، والله الحافظ.
في طريق عودتي ترن في أذني كلمة حريق، متى كانت تلك الحادثة؟ كنا في بغداد في منتصف تسعينات القرن الماضي، أتذكر الصرخة ذاتها من أمي ولكن عبر الهاتف الأرضي وبفارق “الحقيني.. احترقنا!”، يومئذ توسلنا بفرق الإطفاء حتى حضروا بعد أن تجمّع الأهل والجيران ومُدت خراطيم المياه من كل البيوت.. ابتدأ الحريق في السابعة مساء ولم ينته حتى الصباح، كانت سيارات الإطفاء تشبه سائقيها المساكين.. تعاني من كل الأمراض وقد أكل الحصار على البلد نصف طاقتها.. وأجهزت اللا جدوى على النصف الآخر.. قد تتشابه الكوارث أو تختلف لكن التعامل معها مختلف جدا بين الآن هنا وبين الأمس هناك.
كل شيء مختلف إلا نحن! فكم من حرب وحصار وكم من كارثة مرت بنا ونحن باسمون وغير مبالين، ولم تنل منا والحمد لله أعتى الأزمات، وشعارنا كان دائما وفي أحلك الظروف “بالريش”!
صباحكم سلامة..
شاعرة عراقية

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث