ardanlendeelitkufaruessvtr

حديث الخميس: القلب يعشق كل جميل

حسان الحديثي 
 
مناجاة الخالق سبحانه من أعلى مراتب الآداب ودرجات الخطاب ولا يتحقق ذلك الا بتحقق امرين؛ التجلي والجرأة
أما التجلّي فهو السمو والارتفاع بالروح والعقل أولا ثم الانسلاخ من الذات الإنسانية الى الذات السامية بالنسك والرهبنة بما يتناسب مع عظمة المناجى جل شأنه
وأما الجرأة فهي إستخدام اللغة بأعلى صيغها لتكون في اقرب درجاتها ومستوياتها من عظمة المُبتغى في مناجاته وهو الرب سبحانه مع علم مسبق ويقين مطلق أنَّ كلَّ مفردات اللغة -مع سعتها- هي دون شأنه وعظمته جل في علاه.
ولمّا لم يكن الشاعر بيرم التونسي من شعراء البلاغة ولا من أدباء البيان وأنه شاعرٌ يكتب بإسلوب البساطة ولهجة البسطاء من الناس فقد فَتَحَ له ذكاؤه الفطري البابَ الى لغةٍ ساميةٍ تقربُه من مبتغاه وتحقق له هدفَه، فكانت لغة العاطفة لغة القلوب اللغة التي تعلو على البلاغة والبيان لأنها ترتكز على حب الجمال وانه سبحانه خالق الجمال وبارئه ومبدعه، وأن الجمال الحقيقي صفة أزلية لله سبحانه ثم على التذلل والخشوع والانصهار في العبودية.
 
لم يكن بيرم التونسي صوفياً وان بدت في قصيدته بعض الملامح الصوفية فهو لم ينهج نهجهم في مناجاته شأن رابعة العدوية في قولها:
أُحـبُّـك حـبّـين ، حـبّ الـهــوى ... وحــبّـــاً لأنـــّك أهــلٌ لــذاكـا
فـأمـا الــذي هـو حـبُّ الهـوى ... فـشغـلي بحبك عـمّن سواكا
وأمــا الــذي أنـت أهـــلٌ لــــه ... فـكـشفُك للحـجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا وذا كان لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
 
كما لم يكن متبعاً لملةِ إبن الفارض ومذهبه في الحب الإلهي المتمثل في قوله :
وعن مذهبي في الحبِّ مالي مذهبُ
وإن مِلـتُ يـومـاً عَنه فـارقتُ مـلّـتـي
 
لكنه وبلا شك كان مستفيداً من عبقرية شوقي وطبيعة مدائحه النبوية ومناجاته بلغة العاطفة وهو القائل: 
وإنْ تقدّمَ ذو تقوى بصالحةٍ ... قدّمتُ بين يديهِ عبرةَ الندمِ
 
لقد كان بيرم التونسي سامياً في قصيدته الأدبية الابداعية "القلب يعشق كل جميل" القصيدة المكتوبة بلغة القلوب قبل ان تكون مكتوبة باللغة المحكية المصرية والتي يبدأوها بقوله:
القلب يعشق كل جميل   وياما شفتِ جمال يا عين
واللي صدق في الحب قليل   وإن دام يدوم يوم ولا يومين
واللي هويته اليوم دايم وصاله دوم
لا يعاتب اللي يتوب ولا بطبعه اللوم
واحد مافيش غيره ملا الوجود نوره
دعاني لبيته لحد باب بيته
واما تجلى لي بالدمع ناجيته
 
ما اعذبه حين افرد الجمال له وحده وافرد الصدق في الحب له وحده وافراد العفو والرحمة له وحده فهو -سبحانه- أعلى وأسمى من أن يُعاتِب عبدَه وأجل وأرفع من أن يَلومَه، هو في صفاته واحدٌ ليس من سواه، نوره ملأ هذا الوجود فلم يكن من لغة يناجيه بها سوى لغة الدمع "لما تجلى لي بالدمع ناجيته"، بهذه البساطة العجيبة نقلنا بيرم من عالم الوجوديات والماديات الى عالم من التجليات والظهور الى عالم الأنوار المشرقة من ذات الله وصفاته، الى عالم انكشاف القلوب وفهم اسرار الغيوب، بلا بلاغة في المعاني ولا صناعة في ألالفاظ، ولا بناء للمفردات، لم يكن في كلماته تلك شاعراً قدر ماكان عفوياً صادقاً في عاطفته وصافياً في مناجاته ، لقد فجر بيرم طاقات الشعر الكامنه في المفردات البسيطة التي لا نُلقي لها بالاً حين جعل العاطفة فيها غالبة فاخترقت بجمالها القلوب وألانت بروعتها الأفئدة فلم يكن للدمع الا ان يكون رسولاً صادقاً ومترجماً عظيماً.
 
ثم ينتقل في المقطع الثاني من القصيدة الى سرد قصة مختصرة يختزل بها عمراً عريضاً من التقلبات بينه -هو العبد- وبين حبيبه الرحمن فيصور التلطف الذي يبديه الرب لعبده ليُعيدَه الى حِمى رحمته دون كلمة واحدة في القصيدة -من بدئِها حتى منتهاها- تتكلم عن الوعد والتحذير والوعيد بل كان طابع التودد والرقة واللين هو مدار القصيدة وكانت الرأفة والرحمة هو قطبها ومحورها التي تدور حوله، لقد صور لنا بيرم مقدار اللطف الذي هو فيه وهو بعيدٌ عن ربه والذي وصفه بجملة واحدة بقوله "كنت ابتعد عنه" فقط لا غير وهذا من جمال التأدب لكنه يسهب في إيابه ورجوعه الى حبيبه الذي يبحر فيه ابحار العاشق الذي لا يخشى الموج وبساطة الصادق الذي تسري فيه الكلمات من القلب الى اللسان كسريان الدماء بعفوٍ دون تكلف وطبعٍ بلا صنعة وقد بدت في مفرداته ومعانيه حين يقول "كان يناديني" ثم يصف هذا النداء بـ "طاوعني يا عبدي ، طاوعني أنا وحدي" نافياً أحداً سواه في حبه من قبل ولا بعد ثم يسوق الأدلة العظيمة في وصف "العطايا" على انها "هدايا":
 
كنت ابتعد عنه وكان يناديني
ويقول مصيرك يوم تخضع لي وتجيني
طاوعني يا عبدي طاوعني انا وحدي
ما لك حبيب غيري قبلي ولا بعدي
أنا اللي أعطيتك من غير ما تتكلم
وانا اللي علمتك من غير ماتتعلم
واللي هديته إليك لو تحسبه بإيديك
تشوف جمايلي عليك من كل شيء أعظم
سلم لنا تسلم
 
ثم ينتقل انتقالة سلسة الى وصف مكة، ووصفُ مكة ليس بالأمر اليسير ولا بالهدف السهل ذلك ان الله وصفها بوصف يجعل الأمر بغاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً، فقال واصفاً إياها على لسان إبراهيم عليه السلام : "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ" ثم اردفها بقوله " فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ" هذه هي مكة، لا ماء ولا خضراء انها محض جبال صامتة مطلة على وادٍ جمع فيه ربُنا القداسةَ كلها حتى هوت اليه الافئدة من كل فجاج الأرض فكانت مكة كما وصفها بيرم بإيجازه الرائع في قوله "جبال نور وبيت معمور" لا شي سواهما من الماديات المرئية والمحسوسة ، ما عدا ذلك هو حديث ارواحٍ لأرواح وقلوبٍ لقلوب فالسلام والرحمة التي قرأها متجسدة في ألوفٍ وألوفٍ من حَمائم الحرم المحلقة بانتظام في سيرها لا تنفك تطوف وتطوف انهن بعض ذلك الحديث وهذه لغة عاطفية اخرى للقصيدة فهي في طوافها انما تهنيء ضيوف الرحمن بالعفو والمرحمة.
 
مكة وفيها جبال النور طالّة على البيت المعمور
دخلنا باب السلام غمر قلوبنا السلام بعفو رب غفور
فوقنا حمام الحما عدد نجوم السما
طاير علينا يطوف ألوف تتابع ألوف
طاير يهني الضيوف بالعفو والمرحمة
واللي نظم سيره واحد ما فيش غيره
 
لا يخلو هذا النص من الجرأة كما اسلفت، الجرأة في الوصف المتهادي في تجلي الحب الخالص لعظمة الخالق سيما في الولوج الى تفاصيل رآها الشاعر بإن هذه البقعة هي روضة من رياض الجنان ليس من باب المجاز والخيال وانما في حقيقةٍ بينةٍ حيث تنال فيها ألأنفس من المتع والمباهج واللذات لم تنله في اي مكان آخر يتجلى ذلك في قوله أن مكة "فيها طرب وسرور" وفيها للقلوب والأفئدة "نور على نور" وفيها للارواح "كاس محبة وسرور" والمحبون فيها إخوان والملائكة لهم ندمان يزفون لهم البشرى بالصفح والغفران. 
 
جينا على روضه هلا من الجنة
فيها الأحبة تنول كل اللي تتمنى
فيها طرب وسرور وفيها نور على نور
وكاس محبه يدور واللي شرب غنى
وملايكة الرحمٰن كانت لنا ندمان
بالصفح والغفران جاية تبشرنا
 
الجمال مستمر لا ينقضي في هذه القصيدة حتى آخر لفظةٍ فيها، فهذا النعيم الذي يتقلب فيه القلب ثم يطير مبحراً في فضاء الله وعالَمِ رحمتِه وعفوِه وغفرانِه، عالمِ ملكوتِه وعزِه وسلطانِه لم يُنسِه كلُ هذا الجمال أحبابَه وخلانَه أن يرتشفوا مما ارتشف ويذوقوا ما ذاق من كؤوس المحبة لينالوا الصفح والغفران فكانت الخاتمة بقوله:
 
يا ريت حبايبنا ينولوا ما نلنا
يا رب توعدهم يا رب يا رب واقبلنا
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الخميس, 23 آب/أغسطس 2018 20:20
حسان الحديثي

حسان الحديثي
عراقي من مواليد مدينة حديثه/العراق ويعيش حالياً في المملكة المتحدة
كاتب وباحث ودارس في ألادب العربي وتاريخه
يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية
له كتاب ” حديث الخميس" بجزأين
ومخطوطة ” والسياب شاعر الانسانية الاكبر ”