ardanlendeelitkufaruessvtr

ألق مسبحتك فورا

بقلم رابعة الختام كانون2/يناير 29, 2018 178

ألق مسبحتك فورا
استجابت إحدى سيارات الأجرة في الطريق العام لحركة يدي بالوقوف على الطريق السريع، كان السائق أنيقا مهذبا، في بداية الخمسينات، يمسك بمسبحة في يده، ولم تثنه القيادة عن العبث بحبات المسبحة طوال الطريق، ومعلقا أخرى طويلة ذات حبات من العقيق الباهر، ضخامتها تشد الانتباه عاكسة صورتها في مرآة السيارة، فلا يمكن الفكاك منها مطلقا، فمن لم ينتبه لها معلقة، يفاجئه انعكاسها في المرايا.
حتى مذياع السيارة ينبعث منه صوت إذاعة القرآن الكريم تلاوة وترتيلا ورائحة احتراق عود بخور تقذف برذاذها، ودخانها، وبخارها التائه في جو السيارة، أدعية وأذكار معلقة أو ملتصقة في كافة جوانب السيارة وعلى بابها وكأنها ضريح أحد أولياء الله الصالحين.
لا ينقص هذا “التاكسي” الأبيض من وجهة نظري للارتقاء بمرتبة ضريح ولي من أولياء الله الصالحين سوى عمامة خضراء تعلق على مقدمة السيارة وأن أخلع حذائي على عتباته المقدسة.
عادة يبعث هذا المشهد المغموس في ادعاء التدين سكينة وراحة في النفس البشرية إلا أن هاجسا تملكني من هذا الرجل المبالغ فيه. قشور الدين التي يستتر بها لا تغريني على منحه لقب شيخ أو متدين ولو للحظات.
شعرت أن هذا “التاكسي” المفروض به بالأساس أن يكون سيارة أجرة تقف لأي شخص على الأرض ليصبح راكبا، ما هي إلا سيارة انتقائية تمارس تمييزا عنصريا ضد راكبيها، فكانت على مقربة مني تقف سيدة “مسيحية” متأنقة تلوح للسائق بيديها لذات السيارة، إلا أن السائق لم يستجب لها وتخطاها. ووقع اختياره علي لا لشيء سوى ارتدائي حجاب الرأس.
من حقه أن يختار من يصعد إلى سيارته الخاصة بالطبع، لكن ليس من حقه اختيار زبائن سيارة أجرة تعد حقا للجميع، في بلد لم يفرق دستوره بين الناس على أساس ديني مطلقا.
لم يتوقف لسانه لحظة واحدة عن التسبيح والتهليل والتكبير، لكن هذا اللسان اللاهج بذكر الله تعالى لم يمنع عينيه من الحملقة في الفاتنات من النساء المارات أمام سيارته وعلى جانبي الطريق، وتفحص ملامحهن، حتى خلته منشغلا بكل شيء عدا القيادة، تجسدت أمامي في هذا الرجل مقولة ابن رشد “تجارة الدين هي التجارة الأكثر رواجا في المجتمعات التي يسود فيها الجهل”.
كانت المسافة المفروض به أن يقطعها في الطريق منذ أن استقللت السيارة وحتى وجهتي التي أردت، مسافة قصيرة للغاية، اعتدت فيها استخدام سيارات الطلب المسبق عن طريق شبكة الإنترنت، ولظرف الاستعجال لم أتمكن من طلبها، وكان هذا الرجل خياري القسري!
كان ما طلبه مني يزيد عن ضعف ما أدفعه لسيارات الطلب المسبق.. سألته عن العداد قال: لم أفتحه ربما نسيت، أعلم أنه تناسى ولم ينس.
ضحكت بهستيريا شديدة وقلت له: ممكن “ترمي” هذه المسبحة من يديك فورا، فليست لها فائدة مطلقا معك، ولا حاجة لله بتسبيحك.
فرد بتعجب: غريب أن تطلب مسلمة محجبة هذا، ماذا تقولين، اتق الله، ربنا يهديكي.
علا صوت ضحكتي وأنا أتحدث بكل ثقة وأقول: ولأنني مسلمة ومحجبة أطالبك بإلقاء تلك المسبحة من الشباك فورا فقد لوثتها كثيرا، لا حاجة للمسبحة بأصابعك الكاذبة تحركها يمينا ويسارا، ولا حاجة للراكبين بتدينك الوهمي طالما أنه لم يهذبك، ولم ترتق لأخلاقيات مسلم.
ما الفرق بينك وبين الموظف الذي “يخطف” ركعات الصلوات المفروضة ليعود يتناول الرشوة لإنجاز واجبه المهني بضمير مطمئن وبال هادئ؟
علمتني أمي أن الدين معاملة وليس فقط صلاة وصوما وتسبيحا على الرغم من أهمية ذلك، ولكن الأمر ليس بقشور الدين وظواهره.
حتى حجابي لم يكن تمييزا لي عن صديقاتي المسيحيات، وما أكثرهن، وأقربهن إلى قلبي، ولكنه جزء لا يتجزء من شخصيتي لم أعد أتصور صورتي في المرآة دونه.
علموا أولادكم الصدق قبل الوضوء، إتقان العمل قبل الصلاة، محبة الغير والتجرد في الحكم على الأشياء ثم تعويدهم على الصوم. فصومهم وصلاتهم لهم وحدهم وأخلاقهم للآخرين.
كاتبة من مصر

قيم الموضوع
(0 أصوات)