ardanlendeelitkufaruessvtr

أول معصية في التاريخ

بقلم شيماء رحومة شباط/فبراير 01, 2018 199

أول معصية في التاريخ
حيثما تولِّ وجهك تكنْ هناك عيون ثاقبة تترصد خطاك، لا لتحرسك وتباركك وإنما لتلعنك وتحرقك بنيران تتطاير شراراتها في كل اتجاه تتمنى زوال نعمتك، ودافعها ذاك العدوّ الخفي الذي يسمى حسدا.
ومن لا يعرف الحسد وقد كان مادة خصبة للكثير من القصص والموروثات الثقافية والحكايا الشعبية بغرائبه وطرائفه؟
وحديثي عن هذه الآفة المنبوذة لن يكون من خلال التبجح في استعراض تفاصيلها وأبعادها وأعراضها وطرق ردّ الأذى المنبعثة ممّا سمّاه العلم الحديث طاقة ضوئية، لأن ذلك لن يضيف شيئا إلى القارئ، فهو حتما على دراية بذلك، إذ أن معظم البشر على اختلاف أجناسهم، ولا سيما العرب منهم، يؤمنون حتى النخاع بالآثار السلبية للحسد والعين، لذلك كانوا سبّاقين في التصدي له من خلال أشكال متنوعة من المرايا التميمية حتى تردّ الحسد على الحاسد.
ومنهم من كانت دروعه الحامية “الخُمسة” أو “يد فاطمة” أو “يد مريم”، ومنهم من علق وعانق وعقد واعتقد في الخرزة الزرقاء، حتى أنه قاتل لإدراجها في قائمة اليونسكو على اعتبار أنها تحمل مجموعة من القيم الثقافية والتراثية.
قلت لا تعريف ولا إطناب في وصف الحسد وإنما دعتني حاجة ملحة إلى ذكره تتجلى في كونه صار ظاهرة مرضية ووظيفة علنية غير مدفوعة الأجر.
وهنا قد يخلط البعض بين الحسد والغيرة، غير أنهما يختلفان اختلافا كبيرا بوصف الغيرة قد تدفع إلى المنافسة، ولقائل أن يقول حتى الحسد يمكن أن يكون بنّاء وأن يدفع إلى المنافسة والتحدّي، لكنه لا يحمل صاحبه على التنافس في الخير.
ولا أدلّ على ذلك من تحريف الحسود المغرض الباغض للمثل الشعبي التونسي القائل “ماري (اعمل بالمثل) ولا تكن حسودا”، عبر ترديده لـ”احسد ولا تماري”، وما أكثرهم اليوم، حتى إبليس اللعين الذي كان أسبق المخلوقات حسدا بارتكابه أول معصية في التاريخ حين حسد أب البشرية آدم، اشتكى وبكى من حسد الناس بعضهم للبعض، حيث “انزعج يوما من فلاح أفرط في شتمه فخرج له يسأله عن السبب فقال الفلاح: لأن جاري يملك ثورا يعينه على حراثة الأرض وأنا لا أملك. عرض عليه إبليس ثورين على أن يكف عن شتمه، فقال له الفلاح: سأظل ألعنك حتى تقتل ثور جاري”.
وهذا لا يعكس حماقة الفلاح بقدر ما يؤكد أن الحسود يرفض الارتقاء نحو الأفضل بل أقصى ما يطمح إليه التساوي مع الآخرين في الشر، فالحاسد يترك بصمة أشد ضررا وأكبر أثرا من الغيور، لأنه غالبا يصيب ما تقع عليه عينه بالأمراض والعلل، حتى أقرب الأقربين إليه، ومما يروى أن عروسا أصيبت بالعمى ليلة زفافها وعجز الطب عن معرفة علتها، بينما قال لها شيخ يدّعي معرفة بأسرار الكون إن عينا مقرّبة أصابتها ولن تشفى إلا بموت صاحب العين. وبعد مرور سنوات ارتدّ للفتاة بصرها عند وفاة أمها.. فكل شيء إذا زاد عن الحدّ انقلب إلى الضدّ.

قيم الموضوع
(0 أصوات)