ardanlendeelitkufaruessvtr

أنا طفل كبير

 
أنا طفل كبير 
رابعة الختام
 “إيدك خليها في إيدي أنا طفل كبير”، أتساءل دومًا: هل كان الشاعر الجميل بهاء جاهين حين كتب هذه الكلمات ليشدو بها ذو الحنجرة الذهبية علي الحجار، يلخص الحالة النفسية والمزاجية للرجل حين يتكئ على قلب حبيبته، ويتعكز على روح زوجته ليمضي في دروب الحياة متسلحا بقلب أم لم يسكن رحمها، وإنما سكن قلبها وروحها.
أم كان يصف مشاعر الأنثى حين يغرقها الحب وهي لا تعرف السباحة ضد التيار، أو ربما تعرفها ولا ترغب فيها لتغرق في الحب راضية قانعة لا تبحث عن قارب نجاة أو شاطئ تركن إليه، وإنما تبحث عن كوخ بالشاطئ يحتضن هواها.
أم كان يصف قلبيهما معًا ويعرف أن المرأة حين تحبك تعطيك ما لا تتخيله وتدخلك عوالم كثيرة، ساحرة بلون لم تنبته الأرض بعد، ولم يخترعه فنان، ورائحة أحلى من روائح الورد والياسمين وعطور الكون ممزوجة بلهفة قلب عاشقة من نوع فريد.
المرأة حين تحب تصبح كائنا مختلفا، كأنها وطن كامل بدفئه واحتوائه وحرصه علينا وضمه لطفولتنا وأحلامنا وآلامنا، شوارع وحارات وبيوت وأزقة ومدن كاملة تنشأ بقلب امرأة محبة ولا تكف المدن والشوارع عن الإنبات إلا إذا توقف قلبها عن النبض، أو توقف عن الحب، فالحب هو سر حياة الأنثى بلا مبالغة.
وربما كانت تلك النظرة للمرأة المحبوبة أو الزوجة هي سر مناداة بعض الرجال في وطننا العربي لنسائهم بـ”ماما” وكأنما هي أمهم بالفعل تمارس معهم فعل الأمومة بكل ما يعنيه من متطلبات، وخوف الأم على ولدها وحرصها عليه، وتسامحها معه، ليسعد لها أيما سعادة. تلك السعادة التي لا يقدرها سوى الرجل “المنقطع” الذي حرم من وجود الأم بحياته، أو حرمته الطبيعة هبتها ومنحتها العظيمة في وجود حبيبة إلى جواره.
لست عنصرية حين أتبنى وجهة نظر مفادها أن الزوجة أو الحبيبة هي في ذاتها وهيئتها أم ووطن، وغفرانها لأخطاء الزوج ـ التي من الممكن التعامل معها بمبدأ الغفران ـ هو قمة النضج الأمومي الذي تحتاجه الحياة الزوجية، وأن تفهم تحول مزاج الرجل وتغيراته وتقلبه بين الحين والآخر، أرقى معاني التقبل والاحتواء بين الزوجين أو الحبيبين.
الحياة شراكة تحتاج دائماً إلى تعاون بين الشركاء وتقبل كل منهما للآخر كما هو وليس طبع نسخ شبيهة من الآخر، فللأسف ما إن يبدأ البعض بعلاقة ما سواء حب أو صداقة أو زواج حتى يبدأ كل طرف منهما في السعي لتغيير صفات وطبائع الطرف الآخر حتى يصبح نسخة منه أو نسخة تناسبه ليتعامل معها وغالباً ما تكون تصرفاته مشفوعة بسيل مبالغ فيه من الانتقادات، كما لو كان وصياً على تصرفات وأفعال الطرف الآخر. والغريب أن الشريك يلجأ للعنف اللفظي في تغيير السلوك كما لو كانت الحياة من وجهة نظره فقط وأنه وحده من يملك الرؤية الصحيحة والبصيرة النافذة، وليس لأحد سواه رؤية تستحق الاحترام.
الحب تجربة جديرة بالاهتمام وجديرة بأن نحياها والأجمل أن نشعر باهتمام الطرف الآخر لأمرنا وتقبلنا كما نحن، فإن أحببت شخصاً وأنت غير راضِ عنه فأنت لم تكن تحبه منذ البداية، الاختلاف وارد بل وصحي، وأحياناً مطلوب، والاعتراض على بعض التصرفات أيضاً أمر صحي مئة بالمئة فلسنا ملائكة ولا أنبياء وأيضاً لسنا شياطين، ولكن التفهم وأن تكون عكاز حبيبك الذي يتكِئ عليه، وبحره وسره وراحته ، فهذا من أجمل آيات العشق.
في البدء كان الحب، وفي النهاية يكون عنواناً لمن لا عنوان له، وطوق نجاة من موبقات الحياة.
 
 
باهر/12
 
 
 

    

قيم الموضوع
(0 أصوات)