ardanlendeelitkufaruessvtr

إلى اللقاء

بقلم ميموزا العراوي شباط/فبراير 09, 2018 98

إلى اللقاء
غادرت معرض الفنان السوري/اللبناني فتح الله زمرود الأخير سنة 2017، والحزن يرافقني كزائر جاء هو أيضا إلى المعرض ليردد هامسا في أذني أنها ستكون آخر مرة أرى فيها الفنان.
أذكر أن القيّمة على الصالة، رانية منذر، طلبت مني في تلك الفترة وبإلحاح شديد حضور الافتتاح رغم معرفتها أنني لا أحب المجيء إلى افتتاحات المعارض، يومها استغربت من إلحاحها، لكنني ذهبت.
لحظة وصولي رأيت الفنان في وسط الصالة، وقد تغيرت ملامحه بشكل هائل منذ آخر مرة رأيته فيها سنة 2014، وكان حينها يعجّ بالحيوية.
عندما رأيته لم أستطع إلاّ أن أسأل المسؤولة عن الصالة عن حالته الصحية، أجابتني باقتضاب وبحزن واضح أنه مريض، وعندما سألتها إن كان هناك أمل في شفائه، صمتت قليلا ثم قالت “إن شاء الله”.
اليوم، تلقيت خبر وفاته، مُفاجأة غير مُفاجئة، عدت إلى أعماله الأخيرة، ثم تذكّرت بأي جوّ نفسي وضعت نفسي فيه وأنا أكتب عن معرضه كي أستطيع الكتابة، أذكر أنني كتبت عنه مثلما رسم الإنسان الأول في المغاور العتيقة ليس مخاوفه، بل أمنياته لكي تتحقّق، وكأنني أردت أن أستنطق “المُستقبل” وأحفّزه ليكون له، لأنه فنان يتمتّع بموهبة كبيرة ونظرة خاصة إلى العالم ويستحقّ أجمل الفرص.
وبدلا من أن أركّز على ما رأيته أمامي، حاولت أن أستقرأ ما ستكون أعماله “المُستقبلية” ممّا قدّم في معرضه الأخير، كتبت وقتها أن لوحاته تشي بأن ما سيقدّمه ربما لاحقا، هي أعمال ترتكز تماما على هذه النباتات الغامضة التي اكتسحت معالم لوحاته، وربما تركز أيضا على هامات الأشجار وخيالات الحشائش والأعشاب الضارة المُجرحة لقماش الزمن والجغرافيا على السواء، وأن “الإيماء” قد يلعب دورا أساسيا في تشكيل ما يسكن لوحاته بغض النظر عن ماهية ما سيسكنها.
عنوان معرضه الأخير كان “أطلال بعيدة”، حيث عصف الهدوء بلوحاته مُثلجا حتى أعمق مستوياتها، ليطال حتى الألوان الدافئة التي أدخلها إلى لوحاته كالبرتقالي والأصفر الذهبي والوردي، ولم يهمل هذا الهدوء حتى ضربات ريشته العصبية وقد استطاعت غرابته أن تجعل الخطوط والأشكال شبه مائعة وكأنها من شمع رقّ وذابت أطرافه تحت أثر ضوء قمر، قمر بارد بضوئه وببصيص الأمل الذي بثّه في هياكل المباني المأهولة بأهوال الذكرى.
لم أعد أعرف أبدا كيف كانت لتكون أعمالك المُستقبلية يا فتح الله، ولا أدري إن كانت هناك بضعة لوحات جديدة أنتجتها في الفترة الأخيرة ولم تُعرض بعد، أو حتى إن كان المرض قد سمح لك بمواصلة الرسم، كل ما أعرفه وأذكره جديا، هو أنك قلت لي في نهاية زيارتي لمعرضك الأخير “إلى اللقاء”، وأنني صدقتك حينها، صدقتك بقوة، كل ما أعرفه أيضا معرفة عميقة أن ممارسة الفن، وإن كانت ممارسة تهجس بأثر ومظاهر الحروب والهجرات القسرية التي عانى منها الشعب السوري ولا يزال، استطاعت أن تساندك في رحلتك الوجودية الشائكة تلك.
أكره تقديم نبذة عن الفنان، عن أي فنان، فكيف عن فنان تأثّرت بأعماله وتبادلت معه بضع كلمات غادرت هي الأخرى في حال سبيلها؟ كم تبدو أي “نبذة” مُهينة بحق أي إنسان وبحق سيرة حياته، مهما كانت قصيرة!
كما أكره أن أبدأ أو أنهي نصا بـ”توفي الفنان بعد صراع طويل مع المرض”، في هذا السياق بالتحديد أعيد ما كتبته يوما لي وللآخرين، ولكن بحرارة أكثر “احرص على أن تقول وداعا قبل أن تنصرف، حتى وإن استبعدت ذلك في المدى القريب، لا بل، بالغ في تصاريح الوداع حتى تنفّر من حولك من الغرباء فيدعونك ترحل بسلام ودون ضوضاء هي في معظمها مُفتعلة”.
ناقدة لبنانية

قيم الموضوع
(0 أصوات)