ardanlendeelitkufaruessvtr

الطائرة التي سقطت على رأسي

بقلم نهى الصراف شباط/فبراير 10, 2018 474

الطائرة التي سقطت على رأسي
عندما كنت في السابعة من عمري، سربت محطة الإذاعة المحلية خبراً مفاده أن طائرة ركاب في مكان ما انحرفت عن مسارها لسبب مجهول، بعد أن فقدت الاتصال بمراصد الرقابة الجوية في المناطق التي كانت تحلّق فوق محيطها الجغرافي، وأكد الخبر على أن الأمل ضعيف في نجاة الطائرة من كارثة متحققة وأنها ما زالت تتهاوى إلى أسفل مخترقة السحب في طريقها إلى الأرض لتلقى مصيرها، ولم يكن يعُرف بالضبط إلى أين ستكون وجهتها الأخيرة.
أصابني الفزع لأنني كنت، وما زلت، أكره الطائرات بجميع أشكالها، حتى قبل أن يتسنى لي التعرف عليها من قرب وهي تحلّق في سماء مدينة البصرة في الموعد المحدد لحرب الثمانينات من القرن الماضي. كنت صغيرة، وكانت مخيلتي مثل حصان جامح يذهب في جميع الاتجاهات ولا يتوقف حتى ينهكه التعب أو يكبو على وجهه.
أخبرتني مخيلتي حينها بأن الطائرة المنكوبة وهي في طريقها إلى الأرض لن تجد مكاناً مناسباً لتسقط عليه إلا منزلنا المتواضع! عشت ساعات داكنة في إحدى زوايا المنزل وأنا أتخيل المشهد الدامي، لكن الطائرة سرعان ما تهاوت في ذلك اليوم، وابتلعها أحد المحيطات بمسافة تبعد آلاف الكيلومترات عن منزلي، فيما سقطت جميع طائرات الحرب، بعد ذلك، على رأسي وما زالت تسقط.
اليوم، طالعت في الصحيفة سيناريو مرعبا يقول: إن الحقل المغناطيسي الذي يحمي مظاهر الحياة في كوكب الأرض من الأشعة الكونية، يضعف بصورة أسرع مما كان يعتقد في السابق، ما سيؤدي إلى تدمير اتصالاتنا بالأقمار الاصطناعية وإحراق إمدادات الكهرباء في العالم، لتسود الفوضى، وتستفحل حالات الإصابة بالسرطان ويموت الملايين من البشر بسبب ذلك، وفي نهاية المطاف يمكن للغلاف الجوي نفسه أن يصبح في مهب الريح؛ الريح الكونية طبعاً.
في باطن الأرض حيث يقبع مصدر المجال المغناطيسي هناك ثورة على وشك أن تعلن عن نفسها، حيث ستنقلب الأقطاب المغناطيسية للأرض رأساً على عقب، وحتى وقت تحقق الكارثة، فإن المجال المغناطيسي يفقد حوالي 5 بالمئة من قوته مع كل عقد يمرّ.
عموما، تحققت مثل هذه الكوارث عبر الملايين من السنين، ربما كانت أقل شدّة ولا نعرف تحديداً كيف كان تأثيرها على أسلافنا في المرة الأخيرة التي حدثت فيها، قبل ما يقارب الـ80 ألف سنة، لكنهم بالتأكيد نجوا منها بشكل أو بآخر.
على الرغم من تباين آراء الخبراء فيما يتعلق بحجم الضرر وتوقيته، فإن الأمر مخيف فعلاً، فربما لن تُقدّر لنا النجاة هذه المرة خاصة أن سكان الأرض هذه الأيام يعتمدون بشكل كلي على خدمات التقنية لإدامة بقائهم، وهي الهدف الأول بالتأكيد للتغيرات التي ستحدث؛ فلا هواتف، ولا وسائط نقل، ولا كمبيوترات، ولا تدفئة ولا حتى طعام.
أعلم أنها مسألة معقدة نوعا ما، وأن هذا النوع من المعلومات يشتت تفكيري، فأنا بطبعي لا أميل كثيراً إلى الأرقام والمعادلات، لكني فضولية فيما يخص المستقبل البشري، وهكذا وقعت تحت رحمة تحليق طائرة القلق فوق رأسي، فأنا قلقة على مستقبل طفليّ ولا أعرف كيف سأتركهما وحدهما يواجهان حياة مهددة على وجه هذه الأرض، بأصابع كون هلامي لا يرحم. وكنت أتساءل دوماً: هل ستكتب لهما النجاة كما قُدّرت لي النجاة يوماً من الطائرة الافتراضية التي كانت ستسقط على رأسي؟
لحسن الحظ، وحتى يحين وقت الكارثة، سيكون قد مرّ على كوكب الأرض 1000 عام على أقل تقدير، ولهذا أراني غير مضطرة للقلق اليوم، سيقوم بهذه المهمة أحفادي، هكذا قلت لنفسي وقد منحني هذا بعض العزاء، لكن ابني الذي كان يشاركني قراءة الخبر، صار يبتسم بخبث ليقول وهو يربت على كتفي “ماما، لا تقلقي، لن يحدث شيء لأحفادك، أعدك بأنني لن أتزوج.. لن يكون لك أحفاد”!
كاتبة عراقية

قيم الموضوع
(1 تصويت)