ardanlendeelitkufaruessvtr

أم اللبن

بقلم ريم قيس كبّة شباط/فبراير 14, 2018 160

أم اللبن
كلما عدتُ بذاكرتي إلى طفولتي الأولى حتى ظهرت لي “اُمّ اللبن” وكأنها مارد استدعي منه طفولتي التي أعشق!.. لا لأنني كنت أرى بائعات اللبن كما أبدع رسمهن الفنانون العراقيون.. ولا لأنني كنت أشاهد صورهن الفوتوغرافية القديمة التي التقطها الإنكليز والمستشرقون في بدايات القرن الماضي في العراق.. ولم تشأ أقداري أن أسكن يوماً في بيت يسمح لي بمشاهدتهن أو التمعن في ذلك المنظر الغريب لنساء متشحات بالسواد يضعن على رؤوسهن طبقات من الأواني المليئة باللبن البلدي.
بيد أن جملة أبي الشهيرة هي التي تشخص أمامي وقد التصقت بذاكرة الطفولة ذات وطن.. فقد كان كلّما وجد شيئا على غير ما يرام في البيت.. أو كلما تجاوزت مشاكساتنا الحد المعقول لأطفال يلعبون نراه يسألنا بحزم “من فعل هذا؟”.. فيرد أحدنا بارتباك وخشية “بابا والله مو آني!”.. ليرد بتهكم وسخرية “لعد منو؟.. اُم اللبن؟”.
لطالما تمنيتُ فعلا أن اُلصق بأم اللبن كل التهم وكل الأخطاء التي ارتكبتـُها أو ارتكبها أخي أو أختي أو أحد أطفال الجيران وخاف العقاب فسكت!.. وكان ثمة إحساس في داخلي لا شك فيه أن “اُمَّ اللبن” قد تكون إحدى أفراد أسرتنا!.. فهي حاضرة في كل الحوارات والنقاشات.. ولطالما حلمت في تلك الأيام الغضة لطفولتي الأولى أن أتعرّف عليها وأن أصاحبها لأعقد معها اتفاقا سرّياً دون علم أهلي.. فأجعلها تقرّ وتعترف بكل مشاكساتنا وأخطائنا.. ولم أشك بأنها ستفعل ذلك عن طيب خاطر فقد كنت أتوسّم فيها الحب والحنان دون أن أعرف من تكون.. ولم لا؟.. أليست هي امرأة من أهلي؟.. ألن تكون حنونة مثل أمي وجدتي وعماتي وخالاتي؟
وفي هذه الأيام وفي خضم ضجة الحوارات الساخنة بشأن الانتخابات.. من معها ومن ضدها.. مَن سينتخب مَن.. ومَن الأفضل وأي كتلة هي الأكثر خدمة للشعب وأيها الأكثر وطنية ونزاهة.. أجد تبادل التهم صار متاحا ومجانيا في قنوات التلفزيون والصحف والإعلام المرئي والمكتوب ومواقع التواصل الاجتماعي.. وكل من أساء للوطن بعد أن راهن عليه الشعب وانتخبه ينفي عن نفسه أن يكون مسؤولا عنها.. والكل يدعي النزاهة والشرف والإخلاص للشعب.
فإذا كان الجميع أبرياء منزهون.. فمن الذي أساء وسرق ونهب وأفسد وتاجر بقوت الشعب؟.. مَن المسؤول عن الفساد وانحطاط القيم وسرقة أموال الشعب والنصب والاحتيال والتجهيل والتضليل؟.. من الذي أوصل البلاد إلى تلك الهاوية؟.. أتكون أم اللبن؟.. تلك المرأة المسكينة التي تشقى وتكدح وهي تحمل الأثقال على رأسها من أجل قوت عيالها؟
وللسخرية فقد انتشرت مؤخرا أغنية شعبية تسخر من نائبات البرلمان اللواتي دخلن العملية السياسية عبر نظام الكوتا.. فتشبههنّ بـ”حسنة أم اللبن”!.. وهي قصيدة شعبية تقول لازمتها “حسنة أم اللبن صارت سياسية” وقد تم تلحينها على قالب المربع البغدادي.. وكم شعرتُ بالرثاء وبالتعاطف مع أم اللبن التي لا تبرح التهم أن تطاردها.. فيا ليتها كانت تدري بما يجري! ويا ليت البرلمانيات الطارئات يكدحن فعلا مثلما كانت تفعل بائعات اللبن!
صباحكم حليب..
شاعرة عراقية

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث