ardanlendeelitkufaruessvtr

لله يا محسنين

   
لله يا محسنين
 سعيد ناشيد
عندما نرى العشرات من “المحسنين” بل المئات منهم أو ربما الآلاف، يتنافسون ويتدافعون كأنهم في سباق محموم ضدّ الساعة (والساعة بالمعنيين: ساعة اليد، وساعة الله) للمساهمة في تمويل بناء مسجد داخل هذه المدينة أو تلك، في مشرق الأرض أو مغربها، شمالها أو جنوبها (وهذا كرم لا نعيبه)، ثم قد يتسابقون بلا بصيرة نحو تمويل “الجهاد” في هذا البلد أو ذاك (وهذا فساد نرفضه)، لكن في المقابل (وهذا ما ننوي مناقشته) يفتر حماس معظم المحسنين كلما تعلق الأمر بالمساهمة في شراء جهاز لتصفية الدم أو غسيل الكلى لأحد المراكز الطبية مثلا -وهي تجربة يعاينها الكثيرون- رغم أنّ الفارق في الفعل الإحساني يتعلق بإنقاذ حياة العشرات، بل المئات أو الآلاف، فهذا يعني بكل بساطة أنّ مفهوم الخير مغيّب أو مشوه.
هذا يعني أيضا أنّ الإحسان أمسى مجرّد عملية حسابية مصلحية بالمعنى الحسي الضيق للكلمة، لأنّ “المحسن” الافتراضي عندنا أخبروه بأن من بنى مسجدا في الدنيا فله كذا وكذا من الحسنات، أو أن الله سيبني له قصرا بمساحة كذا وكذا في الجنة، ولم يذكروا له أي مقابل لمن ساهم في شراء جهاز لتصفية الدم لمرضى الفشل الكلوي، أو لمن ساهم في بناء مختبر لتطوير أبحاث القضاء على مرض السرطان على سبيل المثال، أو نحو ذلك.
تجربة معاش، سيدة تشرف على إدارة ملجأ للأطفال المتخلى عنهم، تحكي أنها تعبت من التوسل إلى المحسنين قصد المساهمة في تزيين غرف نوم الأطفال، دون جدوى، ثم اهتدت إلى طلب المساهمة في تزيين بيت الصلاة الموجود داخل المؤسسة، وبذلك حولت جزءا من المساهمة إلى غرف نوم الأطفال، وهي مؤمنة تماما بأن العمل الذي قامت به أقرب إلى سبيل الله ممّا قصده المحسنون.
فعلا، نعاني من إعاقة معرفية ووجدانية في إدراك مفهوم الخير، بحيث أصبح الفعل الإحساني عندنا مجرَد مقايضة حسيّة: تبني بيتا لله في الدنيا فيبني لك بيتا في الآخرة، تفطر صائما فتأخذ مثل أجره بالتمام، وإذا كان الصائم عابر سبيل فلك أجر مضاعف، تطعم مسكينا أمام باب المسجد فتحصل على أجر مضاعف، وهذا العرض صالح خلال أيام الجمعة، إلخ.
لذلك، نقول ونعيد القول، إنّ تقويض موروثنا المختل هو الشرط الأساس لبناء الأخلاق، بمعنى أخلاق المواطنة والسلوك المدني.
دون ذلك سنبقى أمّة النفاق. لا أقل ولا أكثر.
   
سراب/12
           

قيم الموضوع
(0 أصوات)