ardanlendeelitkufaruessvtr

أجنة وجثامين

بقلم شرف الدين ماجدولين شباط/فبراير 28, 2018 182

أجنة وجثامين
بناء على هذا الافتراض أجدني أتمثّل بكثير من التعاطف تلك الرغبة التي تنتاب بعض الكتّاب لإحراق جثامينهم بدل دفنها، تبدو لي تقمّصا للكيان الورقي، وفناء فيه.
مصائر متشابهة يتلقاها الكتاب وكتبهم في الحياة
يستعير عدد من الكتّاب صفات بشرية لتمثيل وعيهم بالكتابة، فيعتبرون صعوبات التعبير “مخاضات”، والأفكار التي لم تحبّر على ورق “أجنة”، كما يسمّون الإصدارات الجديدة “مواليد”، ويمحضونها عواطف لا تخلو من أحاسيس الأبوة والأمومة. فتتقلب مشاعرهم تجاهها، تقلبها بصدد أبنائهم الحقيقيين، من حبور وغبطة وأمل وخيبة وحسرة ويأس. وسرعان ما يتعهدون ما قد يصوغونه من روايات ومسرحيات وأبحاث نقدية وفكرية بالرعاية، ويعبّدون لها مسالك العبور، بترتيب مواعيد القراءة والتوقيع، والسعي إلى تأثيرها في المجتمع، وارتقائها أعلى المراتب، تماما مثلما يتعهدون رضّعا وأطفالا، ثم لا يلبثون أن يتركوا تلك الكتب تتيه في دنيا المطبوعات، وتشق طريقها وحيدة دون سند، ويستعملون تعابير تنم عن النضج، من قبيل “إن الكتاب أضحى ملكا للقارئ”، أي عضوا في أسرة بديلة تتلقاه بأحاسيس مختلفة عن مشاعر العطف الأبوي.
هذا التماهي بين الامتداد الورقي والجيني، يفسر إلى حد كبير تلك السلوكات العصابية التي تنتاب محاولات التأليف، حيث تُغتال الأفكار في بدايتها أحيانا، أو تمزق المخطوطات في منتصف الطريق، ممهورة بلوعات شبيهة بتلك التي تتخلل إسقاط الأجنة؛ خوفا من المجهول، أو عدم اقتناع بالجنين ورغبة في عدم معانقته لدنيا الناس. كما أن الحفلات المرافقة لصدور المطبوعات تزدهر بحسب التجارب والخبرات، ففرحة الكتاب الأول تماثل الحبور بالمولود الأول، الغبطة ذاتها التي لا تلبث أن تخفت تدريجيا، حتى تتحوّل إلى ما يشبه اللامبالاة، فأصحاب المؤلفات الكثيرة قد لا يمثل صدور عمل جديد لهم، إلا رقما مضافا، تماما كأصحاب الذرية الوفيرة الذين يزهدون في دعوة الناس للولائم.
من هنا يمكن تفهّم تلك المصائر المتشابهة التي يتلقاها الكتاب وكتبهم في الحياة، بحيث تحلّ بهم نكبات متماثلة، فإحراق الكتب هو حرق لجثامين افتراضية، ذلك ما فعله الكاردينال سيسنيروس بالمخطوطات الأندلسية، وما فعله النازيون بكتب خصومهم العقائديين، شأن المئات من الأنظمة القمعية عبر التاريخ التي توخّت بحرق الكتب، إعدام مؤلفيها، بأشد وسائل الفتك تعذيبا. كما أن إحراق الكاتب لمؤلفاته -مثلما فعل أبو حيان التوحيدي- يتجلى أشبه ما يكون بانتحار مجازي، لا يختلف كثيرا عن إضرام النار في الجسد.
بناء على هذا الافتراض أجدني أتمثّل بكثير من التعاطف تلك الرغبة التي تنتاب بعض الكتّاب لإحراق جثامينهم بدل دفنها، تبدو لي تقمّصا للكيان الورقي، وفناء فيه، لهذا حين اختار إدوارد سعيد أن تحرق جثته وينثر رمادها في قرية “برمانا” في جبل لبنان، سنة 2003، بدت وصيته أبعد ما تكون عن رفض مراسيم الجنازة، وتجلت بوصفها غوصا في ذاكرة الفناء الحسي المرافق لآبائه ومواليده الرمزيين منذ الآلاف من السنين.

قيم الموضوع
(0 أصوات)