ardanlendeelitkufaruessvtr
مَحمود الجاف
 
الأسرار مِن الأمانات والعُهود التي يَجب الحِفاظ عَليها وَمنع إفشائِها وَهي تتَفاوت مِن حَيث التَغليظ في كَشفها إذ إن مِنها ما يَكون ضَرَرَهُ عامًا وَعَظيمًا كإفشاء المَعلومات إلى العَدو الأمر الذي يُؤدي إلى الهَزيمة أو فَوات النَصر عليهِم وَهو ما يَصطَلح عليهِ حَديثًا بِاسم الخِيانَة العُظمى وَمِنها ما هو دونَ ذلك إلا أنها جَميعًا تَشترك في كَونها خيانة للأمانة وإخلافًا للعَهد .
 
وإذا كانَ الحِفاظ عَليها واجِبًا فإن إفشائها حَرام وفي السُنَةِ النَبَويَة نَجدُ التَشديد عَلى مَن أرادَ الاطِلاع عَلى عَورات الآخَرين . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ ) البخاري . وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ ( مَنْ اِطَّلَعَ فِي بَيْت قَوْم بِغَيْرِ إِذْنهمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنه ) وَكذلكَ الوَعيد في حَق مَن تسمَّع لأسرار غَيرهُ . عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( وَمَنْ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) البخاري . والآنك هو الرَصاص المُذاب .
 
والترهيب من نشر ما لا يحل نشره من الأسرار الزَوجية وجعلهُ من أشرِ الناس عند الله مَنزلة . عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن من أشَرَ الناسِ عند الله مَنزلة يومَ القِيامَة الرجلُ يُفضي إلى المَرأة وَتُفضي إليهِ ثم يَنشُر سِرَّها ". رواه مسلم . وفي رواية أخرى ( إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجلُ يُفضي إلى امرأتهِ وتُفضي إليه ثم يَنشرُ سِرها ) ومَعنى من أعظمِ الأمانة أي : من أعظم خيانَة الأمانة .
 
وتُشكل أسرار البيوت مادة دسمة ومن أكثر الأخبار التي تفتح شهية السامع هي ما يتعلق بخصوصيات وشؤون الأسر الأخرى وهذه المعلومات لا ينبغي تداولها وقد كان العقلاء وأهل الدِّين يوصون صاحب السرِّ بعدم إفشائه فهو من علامات النفاق إذ إنه يدخل في خيانة الأمانة ومن الظّواهر الّتي تنتشر في مجتمعاتنا ما يقوم به الرّجل والمرأة على السّواء من إفشاءٍ لأسرار فلكلّ منهما مجتمعه الخاصّ الَّذي يتحدّث فيه بكلّ طلاقة عن علاقته بالطّرف الآخر حتَّى صارت الحياة الخاصة مباحةً أمام الآخرين دون مراعاةٍ الطَّرفين لحرمة المنازل وقدسيَّة العلاقة الزوجيَّة واللافت في المسألة أنَّ أصابع الاتهام توجَّه إلى المرأة بحجّة أنّها الطّرف الثّرثار الَّذي لا يستطيع الكتمان . إلا أنَّ واقع الحال يؤكد إن للرَّجل نصيب ليس بالهيِّن وهو ما يُعرّض الكثير من الزّيجات للفشل وإنهاء الحياة الزّوجيّة .
 
تروي إحدى السيدات : كانت صديقتي تتدخَّل بيني وبين زوجي أحيانًا إلا أنَّ العلاقة كانت تتدهور أكثر من الأوّل وسرعان ما انهارت حياتنا وانفصلنا فاكتشفت بعد مدة أنّها تزوّجتهُ .
 
ويقول احد الرجال : كنت أجلس مع الأصدقاء أتباهى بعلاقتي الطيّبة مع زوجتي ووظيفتها ومساعدتها لي وحسن خُلُقها .. وذات يوم رأيتها في حالة نفسيَّة صعبة جداً وبدأت تبتعد عنّي . وبعد فترة انهارت في البكاء وطلبت الطّلاق بحجّة أنها تعاني من مرض نفسي .. حاولت معها كثيراً إلا أنها كانت مُصرَّة وبالفعل انفصلنا إلا أنَّني فوجئت بأنّها صارت زوجة ثانية لأقرب أصدقائي الَّذي استغلّ علاقتنا وحديثي المُستمرّ عنها في التقرّب إليها .
 
إذًا علينا أن نعيد النّظر في حياتنا ونتعرّف على ما يجعلها ناجحةً ومستمرّة وقائمةً في الوقت نفسه على أساس من المحبَّة والفهم والصَّداقة فإفشاء الأسرار يدخل ضمن خيانة الأمانة الزوجيّة ولنا في بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة فرُقية كان قد زوَّجها صلى الله عليه وسلم من عُتبَة بن أبي لَهَب وأم كلثوم من أخوه عُتَيبَة ثم انفَصَلوا عَنهُن بأمرٍ عَدو الله أبي لهب بعد نزول سورة ( المَسَد ) ولم يذكر التاريخ إن إحداهُنَ تحدثت بالسوء عن ذلك البيت أو أهله أو أفشت سرًا من أسرارهم مطلقًا .
 
أما الآن فسيدة في استراليا تعرف ماذا طبخ بيت ( س ) في العراق وما تلبس بنت ( م ) في مصر وما قالت زوجة ( ج ) وما فعل ( ي ) مع أخوه أو أخته وتتطاير الأسرار بشكل غريب موثقة بالصور الفوتوغرافية أو الفديو خصوصًا إذا ارتبطت البنت بشاب أو العكس فاعلم حينها إن كل ما يحصل في بيتك ستجده عند الجانب الآخر من خلال نشرة يومية بعد أن كانت البيوت صناديق مقفلة لا يعلم ما بداخلها إلا الله عز وجل ثم ساكنيها ... فاصحوا وانتبهوا واتقوا الله في أنفسكم فنصف الجرائم التي تحصل الآن وكثرة المعتقلين والمعتقلات من خلال نشر المعلومات والله يسترنا ويهدينا وإياكم سواء السبيل .
قيم الموضوع
(10 أصوات)
الشيخ محمود الجاف

كاتب عراقي