ardanlendeelitkufaruessvtr

أحيي القناة على جرأتها

بقلم شيماء رحومة آذار/مارس 20, 2018 188

أحيي القناة على جرأتها
العائلة الغربية المنفتحة على الجنس ترى ضرورة في تلقين صغارها عن طريق خبير دروسا تقيهم العثرات، فما بالنا بالعائلات العربية التي تمنع منعا باتا الحديث عن الجنس وتعتبره خطا أحمر.
المشاهد العربي يرغب بشدة في نقل ذلك للواقع دون أن يعترف بذلك
سيل لا ينتهي من الشتائم واللعن والطعن في شرف الجد الأول والجذور الأولى لأي قناة تلفزيونية عربية تجرّأت على تقديم مشاهد مخلة بالحياء أثناء الاجتماع العائلي حول مأدبة درامية معتبرة تجمع بين الكوميديا والتراجيديا والرومانسية والأكشن، وتثور الثائرة على هذا الطبق الدسم المشكل من كل الأذواق والأهواء إذا ما خرج عن النص العروبي الخجول وازدان ببعض التوابل الغربية التي تفوح بروائح العيب والمنكر.
لا أغالي في ما أسلفت الذكر فيه، فإن كانت هذه حال البعض من آبائنا وأمهاتنا وأقاربنا ممن لم يسعفهم الحظ في نيل قسط من التعليم حين تمرّر مشاهد غير لائقة، فقد ثارت ثائرة شقيقتي الخريجة الجامعية منذ أيام قلائل عندما قدمت قناة تونسية خاصة مشهدا من مسلسل تركي مترجم باللهجة التونسية مليء بالإيحاءات الجنسية، معتبرة أن في ذلك تجاوزا غير مسموح، في حين قفزت مشرعة يدي اليمنى في الهواء علامة الانتصار وقلت “هذا ما كنا نحتاجه بالفعل.. أحيي القناة على جرأتها ما أحوجنا في إعلامنا العربي لمثل هذه الخطوة”.
طبعا ومما لا شك فيه نلت نصيبا من السب الموجه للقناة، لم أبالي وواصلت متابعة الأحداث بابتسامة الرضا، لكنني في وقت لاحق جلست إلى شقيقتي وأخبرتها بسبب انتشائي.
أولا المشهد لم يعتمد على اللفظ الصريح بل ركز على حركات الوجه والإشارات الضمنية كما عمد مترجمو العمل إلى جعل الطبيبة تفسر الحالة باللغة الفرنسية النخبوية، وبالتالي عدم إسقاط المشهد من حبكة المسلسل يدل على أنه يخاطب فئة معينة من الشعب، وهي الطبقة المثقفة التي باتت تمثل الأغلبية الساحقة في جل المجتمعات.
ثانيا المحتوى بكل ما تخلله من لفظ وتعابير جسدية يحيل على مشهد واقعي يتكرر بشكل متواتر في أغلب المنازل العربية وهو ربط الفحص الطبي للوقوف على أسباب تأخر الإنجاب بالمرأة ويرفض الرجل رفضا قاطعا الخضوع لأي فحوص طبية بل ويتحول إلى مارد هائج مائج يُدِينُ كل من يطلب منه ذلك بتهمة المساس برجولته ويصل الأمر أحيانا حد طرد زوجته من المنزل أو طلب الطلاق.
وأظهر المشهد متعمدا أن المرأة لا تشكو من أي موانع للحمل وأن الرجل من يحمل علّة يمكن تداركها، وفي هذا أيضا إشارة إلى أن الأمر لا يعني عقما أبديا بل إن كل ما في الأمر يحتاج تدخلا طبيا.
ضربت لأختي عدة أمثلة عن حالات يأبى فيها الرجل زيارة الطبيب بل ويمنع زوجته من الذهاب أيضا، كما أنني قدمت لها تقريرا كُتب حول مشاهد تزخر بالإيحاءات الجنسية طَبعت أفلام الزمن الجميل، دون أن يتفطن إليها المشاهد العربي الخجول أو يفهم معانيها أو أسباب إضافتها للفيلم ويرى أن لا معنى لها، كأن ينتهي مشهد رومانسي بين بطليْ الفيلم بصورة جبل أو نيران أو انفجار وقد حلل مختصون وفق التقرير مثل هذه الصور المسقطة بأنها تعني نهاية العلاقة الحميمية أو بلوغها مراحل النشوة.
لا أدين السينما القديمة حين أتحدث بهذا الشكل فقط أردت أن أكشف لشقيقتي أن صناع الأفلام والمسلسلات يعملون على السير جنبا إلى جنب مع تفتق الأذهان وارتفاع درجة الوعي لدى المشاهدين لتتحول تلك الإيحاءات والإشارات الجامدة إلى علامات ورموز جسدية تقول ما لا يقال وتغالي في الإثارة بشكل مدروس يحوّل البلاتوه التلفزيوني إلى مسرح مصغر من الحياة اليومية للأفراد.
ولهذا علينا جميعا الارتقاء أكثر ومباركة التطور الإعلامي الذي ينتهج هذا المنهج، ففي حين تدرّس التربية الجنسية للأطفال في الدول الغربية تستحي الشعوب العربية من فتح نقاش بناء للخوض في مثل هذه المسائل.
كنت قرأت منذ فترة قصيرة خبرا قد يراه البعض طريفا لكنه يكشف النقاب عن تطور الذهن الغربي نحو إيجاد نوع آخر من الوظائف لمربية أطفال، حيث شعر والدان بريطانيان بالقلق إزاء فكرة التحدث مع طفليهما حول الجنس، الأمر الذي دفعهما للبحث على الإنترنت عن شخص يقوم بهذه المهمة مقابل مرتب مغر.
وهذا يوضح مدى أهمية الأمر، فالعائلة الغربية المنفتحة على الجنس ترى ضرورة في تلقين صغارها عن طريق خبير دروسا تقيهم العثرات، فما بالنا بالعائلات العربية التي تمنع منعا باتا الحديث عن الجنس وتعتبره خطا أحمر. كيف سيواجه أبناؤها العقبات ولنا في انتشار أخبار عن ممارسات غير لائقة تبدأ من أصغر فرد بالمجتمع متمثلا في بعض الصغار برياض الأطفال، إناثا وذكورا، وصولا إلى مسنين لا حول لهم ولا قوة، خير دليل على حاجة أطفالنا للانفتاح على مثل هذه العلوم.

قيم الموضوع
(0 أصوات)