ardanlendeelitkufaruessvtr

أن تكون ربيعيا

بقلم ميموزا العراوي آذار/مارس 23, 2018 191

أن تكون ربيعيا
كل فنان على هذه الأرض تتفتّح فيه زهور ربيعية لا تعرف كيف تذوي، ما هو السر؟ حتما كما توضّح الكاتبة في روايتها “سرها؟ هو سرّ كل فنان.. الشغف.
أعمال تجسّد أحوال ساكنات الحقول
طائر "القنبرة المتوجة" طائر يعيش في المناطق شبه الصحراوية والمناطق الرملية، كما يعيش في المناطق الزراعية المكشوفة ويقيم أعشاشه أيضا في لبنان في الحقول الساحلية، والمناطق الجبلية غير المرتفعة، وهو حاضر في العديد من اللوحات من حول العالم.
ومن بين الأعمال الفنية التي تجسّده أو تصوّر المساحات الزراعية التي يعيش فيها رسم الفنان الفرنسي جول بروتون عملا حمل عنوان "طائر القنبرة المتوجة" من منظار تاريخي، والعمل هو واحد من مئات الأعمال الفنية التي رسمها فنانون فرنسيون، والتي صوّرت مساحات زراعية مفتوحة عليها فلاحون منهمكون.
وإضافة إلى لوحة بروتون التي أطلق عليها اسم هذا الطائر المعروف عنه قدرته على التغريد لدقائق طويلة أثناء الطيران خلافا للكثير من الطيور ويرمز إلى الفرح، قدّم الفنان أروع اللوحات التي تناولت الريف في شمال فرنسا ورسم فيها نساء في الحقول، ليس فقط وهنّ منغمسات في العمل، بل في لحظات استراحاتهنّ وانشغالهنّ بأفكارهنّ الخاصة.
ومن أجمل أعماله التي تجسّد أحوال ساكنات الحقول، هي التي تحمل هذه العناوين “نداء المساء” و”نهاية يوم عمل” و”استراحة في الحقل”.
أما ما يميّز لوحته “شدو طائر القنبرة المتوجة” عن غيرها من لوحاته، هو ما فرض ذاته خارج المعاينة الأولى للعمل الفني، والذي ما إن يتخطاه المُشاهد إلاّ وتتجلى أمامه رمزية هذه اللوحة التي تشير إلى ما يعني أن تكون “ربيعيا” خارج منطق المراحل العمرية، أو اختلاف الفصول.
والمشهد شديد التقشف، لا يحتوي فعليا إلاّ على ثلاثة عناصر، الحقل، والشمس البازغة والمرأة، امرأة ليس ككل النسوة في لوحاته، إنها امرأة ترفع رأسها لتنظر بعيدا أمامها والتعب باد على ملامحها وقد استرعى انتباهها صوتا أو مشهدا جميلا خارج نطاق اللوحة، ليس هو إلاّ صوت، أو مشهد الطائر الشادي.
ربما تكمن أهمية هذه اللوحة في بلاغة ما تراه أو تتخايله المرأة، ولا نراه نحن، ولكننا بالرغم من ذلك متأكّدون بشكل من الأشكال من حضوره في حقل بصرها.
وتكاد هذه اللوحة أن تكون النسخة المكثفة بصريا للأفكار الرئيسية التي طرحتها الرواية التي تحمل نفس عنوانها، أي “شدو طائر القنبرة المتوجة” وهي للأديبة الأميركية ويللا كاثر، والتي صدرت سنة 1915، رواية قادتني إليها منذ سنوات عديدة لوحة الفنان جول بروتون التي صوّرت امرأة واحدة في حقل زراعي لحظة بزوغ الشمس.
ربما ما أعادني إلى تلك اللوحة التي لم أرها منذ زمن طويل، عودة فصل الربيع ككل مرة وكأنه لأول مرة بنفس البهجة وإن كان مسبوكا بحزن لا يعرف إلاّ الابتسام، إضافة إلى بضعة حوادث صغيرة مُزعجة حدثت معي منذ فترة قصيرة جعلتني أتأمّل بهذه الطاقة الشبيهة بالتي امتلكتها سيدة اللوحة، والتي لم تنضب رغم مرور السنوات وتعدّد الخيبات.
وتتمثّل هذه الطاقة بكون معظم تفاصيل الحياة بالنسبة لي على قدر عال من الأهمية، كما هو عامل الدهشة الذي لم ينطفئ تحت رماد الأشياء وبقى حاضرا وبقوة، كما في نظرة سيدة اللوحة إلى خارج اللوحة، حيث يغرّد الطائر في طيرانه.
وتتجلّى هذه الطاقة أيضا في تعاملي مع معظم ما أعيشه أو أنجزه أو أودّ إنجازه، موقعي كموقع أي صائغ/ فنان مُنكب على صقل ما بين يديه من حجر كريم في قطعة مجوهرات مميّزة مهما كانت منمنمة، بشغف أنهكه وأحياه في الآن ذاته، وذلك بغضّ النظر عن قيمة ما تمكّن من إنجازه.
لعل كل فنان على هذه الأرض تتفتّح فيه زهور ربيعية لا تعرف كيف تذوي، ما هو السر؟ حتما كما توضّح الكاتبة في روايتها “سرها؟ هو سرّ كل فنان.. الشغف، هذا كل ما هنالك، إنه سر شائع ومُحصّن في الآن ذاته، كما البطولة التي لا يمكن تزويرها برخيص الأعمال”.

قيم الموضوع
(0 أصوات)