ardanlendeelitkufaruessvtr

أنين النخل في بغداد

أنين النخل في بغداد
المدهش إلى حد الصراخ أن لا أحد يتمكن من أن يوقف مجازر النخل، التي تشهدها بغداد ولا يعي مغزى تناقص أعداده بصورة مريعة.
حزام بغداد الأخضر
هل يتوجع النخل كما نتوجع؟ هل يذوي كما يذوي الإنسان حين يصاب؟ هل يصرخ ويئن مثلنا؟ تشابكت في رأسي أسئلة تترى وأنا أحدق في مجزرة أخرى من مجازر العراق المتمثلة في اقتلاع النخل المطوق لبغداد وحزامها الأخضر ومُلطف جوها وحاميها من موجات ريح الصحارى التي تنفث سمها، في مواسم القيظ.
ذلك المشهد الأزلي المتمثل في بساتين النخل التي تجعل من بغداد عاصمة معصمها مسوّر بالنخل الباسق لقرون خلت، يحتمي الناس فيه ويلجأون إليه أيام القهر وقسوة الطبيعة، وواثقون من أنهم في أرض السواد، فلا خوف عليهم من جوع.
طفتُ حول بساتين النخل من فوق جسر محمد القاسم السريع الذي يحاذي بساتين النخل التي تشهد أكبر مجزرة للنخل حاليا الذي يقتلع بعد قتله بسقيه بالنفط الأسود أحد مخلفات تصفية النفط، حول كل نخلة عن عمد وسبق إصرار ليختنق ويموت، ثم يعمدون إلى قلعه من أجل بناء ملاذات وقصور يجهل الناس طبيعتها لتحل مكان تلك البساتين التي لم يجرؤ غيرهم على تجريفها طيلة مئة عام من تاريخ العراق الحديث، مجزرة حقيقية تشهدها بساتين بغداد حاليا لأغراض التجارة والربح على حساب البيئة، وجمال العاصمة وسمة وجودها وتاريخها، يقترفها أشخاص نافذون تجرأوا على أجمل ملك لعامة الناس يتمثل في بساتين بغداد، وارفة الظلال وحامية أمنها الغذائي.
والغريب أن الناس يحدقون بعيونهم في مشاهد قتل النخل دون أن يصرخوا هم أيضا كصراخ نخلهم الذي يصافح عيونهم ويستنجدهم كل يوم، بل اكتفوا بالتفرّج عليه وهو يسقط شجرة تلو أخرى ويرونه كل يوم يتناقص ويكتفون بالترحم على زمان غابر بلغ فيه عدد النخل ثلاثين مليون نخلة، أي نخلة لكل عراقي بمئات الأنواع النادرة التي تخرج من طيب أرض العراق، أقدم مستوطنة زراعية، يتناغم فيها النخل مع أشجار البرتقال والليمون التي تزرع تحت ظلال النخل، وتفخر أسواق بغداد بأنواع الثمار على مدى العام، الذي يشكل غذاء الشعب الذي لن يجوع بوجود نخله، ويجعل الشعب يطمئن على أن بمرأى عثوق النخل لا خوف من أزمنة الحرب والحصار.
المدهش إلى حد الصراخ أن لا أحد يتمكن من أن يوقف مجازر النخل، التي تشهدها بغداد ولا يعي مغزى تناقص أعداده بصورة مريعة، بل امتد الفساد إلى ثوابث معالم المدينة الغاضبة على مظاهر الفساد، ولا أحد يقدر كم من وقت يحتاج إعادة توطينه كي يثمر، وكم عاما كي ينمو ويترعرع، لكنّنا نذكر أولئك المتجاوزين عنوة، عليكم أن تتذكروا وصية نبي الرحمة “أكرموا عمتنا النخلة” وأنتم متهمون بإماتتها عمدا واقتلاعها قسرا لتملأوا جيوبكم بالمال.

قيم الموضوع
(0 أصوات)