ardanlendeelitkufaruessvtr

احترِم تُحترم

بقلم شيماء رحومة نيسان/أبريل 03, 2018 387

احترِم تُحترم
على كل أسرة أن تعلم أبناءها منذ نعومة أظافرهم أن يَحترموا ليُحترموا، فلا أحد يأمن نوائب الدهر.
ثقافة احترام الآخر
تعتبر شريعة حمورابي أول قانون مسجل في التاريخ قسم على 282 مادة قانونية تعالج كل مشكلات الحياة إما بمعاقبة الخاطئ وإما بتعويض المتضرر وبتحديد واجبات الأفراد وحقوقهم في المجتمع، وفقا لعمل كل شخص ومسؤولياته والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها.
وكانت هذه القوانين تعلق في كل مكان تقريبا حتى يراها كل الناس ليعرفوا ما عليهم من واجبات وما لهم من حقوق.
ذكر هذا المفصل التاريخي الهام في مسيرة المجتمعات العربية لا أرمي من ورائه لاستعراض معلومات يمكن لأي كان الحصول عليها بمجرد البحث عنها بالاستعانة بمحرك غوغل، بل أريد تحيين تاريخ عربي مجيد نظم حياة الناس بشكل دقيق ليعرف كل فرد ما له وما عليه، وهكذا صارت على ذات الدرب كل الشعوب وكتبت دساتيرها ووضعت من حين لآخر تنقيحات وتعديلات، لكنها أغفلت تطبيقها في غمرة انتشائها بسلطة القلم، وتركت أمر خروجها للناس فرمانا يعلق ليعلق بأذهان الشعب، أو ضمن كتيب يباع بالمكتبات لمن استطاع إليه سبيلا.
وكما يقول المثل الشعبي المصري “المال السايب يعلم السرقة”، أنتجت المجتمعات العربية غير المطلعة على دساتير حكوماتها بالشكل الكافي والوافي، نواميس خاصة بها حددت على أساسها الترتيب الطبقي الذي ترتضيه وقسمت على ضوئه النعوت والتسميات ولقنتها لأبنائها جيلا بعد آخر.
وضعت الكثير من الشعوب العربية قواعدها اللغوية الخاصة واستغلت فكرة أن اللغة ظاهرة اجتماعية تنطوي على دال (الحرف) ومدلول (الصورة الذهنية لهذا الحرف)، لتكوّن لها قواميس ومعاجم تختلف عن بقية تصورات من حولها من المجتمعات للمدلول.
وهكذا ميزت الشعوب الأفراد وفق مهنهم ولقنت أبناءها أصول التعامل مع الآخرين بحسب رتبهم في المجتمع، لينشأ الأطفال وهم متشبعون بأفكار مغلوطة، ويضعون جامع القمامة في أدنى المراتب، يلصقون به صفة “زبال” وينظرون إليه نظرة دونية، كذلك الكثير من المهن كسائق حافلة النقل العمومي يقال عنه “مجرد شيفور”، وأيضا بائع الخضار وغير ذلك من المهن.
في المقابل تعطي المجتمعات الغربية جامع القمامة امتيازات تفوق حتى مهنة الطبيب ويعلمون أبناءهم احترامه وتقدير مجهوداته التي تسهل عليهم العيش بعيدا عن الفوضى والأمراض الناجمة عن تجمع القمامة.
وما يعمق هذه المشكلة أن خروج الصغير من الخلية الأسرية إلى الشارع فالمدرسة، لا يعالج هذه المسألة بل يؤسس لتجذيرها في دواخل هذا الطفل الغض، إذ أن اللعب مع الأطفال يتحول أحيانا إلى تناحر سببه السخرية من ابن جامع القمامة أو حارس العمارة، وينتهي بإقصائه من المجموعة، وأحيانا أخرى يقطع أحد أولياء الأمور حبال التواصل بين الصغار حين ينهر ابنه لأنه يلعب مع أبناء عائلة يراها أدنى منه مستوى اجتماعيا وغير جديرة بدخول أبنائها دوائر أبنائهم الراقية.
أما المدرسة التي يفرض فيها بعض الأساتذة على طلبتهم كتابة مهنة الأب والأم ضمن وريقة يضمنونها بياناتهم الشخصية من اسم ولقب وغير ذلك، فإنها تشجع خفية على تأكيد هذه الطبقية، حيث تتحدد معاملة الطالب في الفصل على أساس مهنة أبويه، التي تصبح مقياسا لتميزه.
للأسف تعج الدول العربية بالعديد من الجذور المتعفنة لكنها متأصلة ومتفشية بين الأفراد، التي كان لا بد من اجتثاثها من عروقها منذ زرعت بذورها الأولى، ومع ذلك لم يتفطن إليها غير من قست عليهم الحياة وارتشفوا مرارتها بصبر كبير وحاولوا ومازالوا يحاولون رؤية حنظلها عسلا.
في الواقع لو سعى كل فرد إلى إطالة النظر في جملة المهن الموجودة سيتيقن من أن المجتمع قائم على تسلسل متكامل بعضه وأي تفريط في مهنة يسبب انفرط العقد واختلالا في التوازن، لذلك على كل أسرة أن تعلم أبناءها منذ نعومة أظافرهم أن يَحترموا ليُحترموا، فلا أحد يأمن نوائب الدهر.
كاتبة تونسية

قيم الموضوع
(0 أصوات)