ardanlendeelitkufaruessvtr

آداب مترحلة

بقلم شرف الدين ماجدولين نيسان/أبريل 04, 2018 185

آداب مترحلة
الكتابة في البدء رسم بالكلمات قبل أن تكون حبرا على ورق، لهذا تجاورت النصوص واللوحات في أكثر من عمل، وولدت لوحات من قصائد وحكايات وأساطير.
الموسيقى جزء أصيل من هوّية الأدب
الأبنية البديعة تحتاج لخيال وذاكرة صور، هندستها تشبه إلى حد ما تخطيط عمل أدبي، فكلاهما يسعى إلى إبهار الناظر، وإنتاج معنى عميق والخلود في الذاكرة. لهذا اقترنت مآثر عمرانية خالدة بالأساطير والشعر؛ في جدران قصر الحمراء نقرأ للسان الدين بن الخطيب وابن زيدون وابن زمرك…، وكأنما لا تكتمل الفخامة إلا بالتلاقي والتقاطع بين المرئي والمكتوب.
الموسيقى أيضا جزء أصيل من هوّية الأدب، قد نتحدث بيسر عن موسيقى الشعر، وعن التراجيديات الغنائية، لكن يمكن أيضا أن نتحدث عن إيقاع روائي ومسرحي وسيري، الموسيقى موضوع أثير للأدب مثلما أن الكتابة تفصيل من تفاصيل المنجز الموسيقي، فكم من أعمال أدبية كتبت بإلهام مقطوعات خالدة، وكم من مؤلفات موسيقية استندت إلى أعمال أدبية بديعة، ففي النهاية لا يمكن تمثل الموسيقى إلا من حيث هي شأن أدبي بالروح والسجايا.
والكتابة في البدء رسم بالكلمات قبل أن تكون حبرا على ورق، لهذا تجاورت النصوص واللوحات في أكثر من عمل، وولدت لوحات من قصائد وحكايات وأساطير، وانطوت روايات خالدة على بطولة رسامين حقيقيين ومتخيّلين، وجمعت الحياة وأحلام التحقق صداقات أثيرة بين روائيين ورسامين من طبقات شتى، قبل أن يولع رسامون بالكتابة ويتحولوا لها ويولع روائيون وشعراء بالرسم ويمارسوه كملاذ أخير.
والشيء الأكيد أن الكتابة تعيش حيوات متبدّلة حين تفارق مراتعها الأولى على الورق، تبني لنفسها صيغا تعبيرية جديدة، وامتدادات تتجاور فيها الكلمة مع الصورة والنغم واللون والبنيان،.. وكأنها تعيد التفكير في موضوعاتها مجددا، أو تنسلخ عن زمنيتها المحدودة لتعانق رحابة أوسع، وجمهورا مختلفا. يمكن أن نتحدث هنا عن إقامة عابرة، لتجديد النفس والرؤية، وللبحث عن معنى مختلف. لذلك ليس غريبا أن تعبر الحكاية الواحدة والرواية المفردة والقصيدة والرحلة والسيرة الشخصية عبر شبكات عيون متعددة لمخرجين سينمائيين ورسامين وأحيانا لمتخيلين معماريين وموسيقيين من ثقافات ولغات وأصقاع متباعدة. ذلك ما تنبئنا به رحلة ألف ليلة وليلة من السينما للمسرح للتلفزيون للأوبرا للوحة والمنحوتة والقصر.
سفر الآداب عبر الفنون حكاية طويلة وملتبسة وحافلة بالاختراقات، تلك التي تعبّر عن الرغبة اللاعجة في مفارقة المعنى الجامد، وتخليد الأساطير الكبرى. لا تترحل عبر الفنون إلا الأعمال العظيمة، القادرة على توليد الأسئلة والتواقة إلى معانقة جمهور أوسع، ما فتئ يجدد وسائلة القرائية بتوالي الأجيال وتطور أساليب التعبير  وتقنياته.
وبقدر ما يكون ترحل الآداب انتقالا في الوسيلة فإنه يتجلى بوصفه انتقالا في التاريخ والجغرافيا أيضا، فدون كيخوتي بدا مرسوما عبر قرون ومجسما في أفلام ومسرحيات وأعمال درامية وحتما سيكون شخصا بثقافات متعددة، متحدثا بألسنة شتى ومنتميا لعتبات متباعدة مثله مثل لوليتا أو مدام بوفاري.
كاتب مغربي

قيم الموضوع
(0 أصوات)