ardanlendeelitkufaruessvtr

أن تكون إنسانا

بقلم إبراهيم الجبين نيسان/أبريل 13, 2018 162

أن تكون إنسانا
إن أردت فعلا "أن تكون إنساناً" فعليك أن ترمي عنك تلك الأعباء كورق الشجر اليابس، وآن الأوان كي يتخلى الإنسان عن حلمه بأن يناطح الآلهة، ويعود ليدرك أنه مجرد جُرمٍ صغير يسبح في فلك لا نهاية له.
جسدك هو السفينة التي تحولت إلى نظام بيئي
ضمن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الفريدة والنادرة التي يلتقطها مبدعون من أنحاء العالم، استوقفتني صورة لسفينة غارقة ربما منذ عقود أو مئات من السنين، لا يبدو أنها كانت تحمل كنوزاً أو عملات ذهبية ومجوهرات، أو ربما عبيداً للتجارة عبر المحيط. وربما كانت تحمل كل تلك الأشياء وتم نهبها وباتت اليوم مجرد خشب رطب تلهو به الأمواج.
ما وقفت عنده هو ما يسميه العلماء “النظام البيئي” الذي تمكن من العثور على تلك السفينة والاستيطان فيها. مجموعة من الأشجار الصغيرة والكبيرة الباسقة وأنواع مختلفة وربما حيوانات وطيور كلها تعيش في تلك السفينة المدهشة.
في اليوم ذاته لصورة السفينة نشر البروفيسور روث لي مدير قسم الميكروبايوم في معهد ماكس بلانك خبراً يقول إن “جسدك ليس مجرد أنت”.
إذ بعد تجارب مضنية تمكن فريق لي من تأكيد أن الخلايا البشرية تشكل ما نسبته 43 بالمئة فقط من جسم الإنسان، أما الباقي فهي مستعمرات من الكائنات المجهرية متناهية الصغر، كما تقول هيئة الإذاعة البريطانية. بحثهم الذي حمل اسم “الميكروبايوم” يهدف إلى البحث عن علاجات لأمراض معقدة تبدأ من الحساسية العادية ولا تنتهي عند الباركنسون؛ أي أننا نشكّل فقط أقل من نصف ما نعتقد أنه “نحن”.
جسدك هو السفينة التي تحولت إلى نظام بيئي كامل تعيش فيه المليارات من الكائنات المجهرية الدقيقة مثل البكتيريا والفيروسات والفطريات. إلا أن أكبر مستعمرات تلك الكائنات تتواجد في أعماق سحيقة غامضة في الأمعاء بعيداً عن الأكسجين.
وبالنظر إلى ما يجري بداخل ذرات الخلايا البشرية من حركة كوكبية، فإن خيال القارئ الكريم الآن لا شك سيتذكر بيت الشعر الشهير المنسوب مرة لعلي بن أبي طالب ومرة لمحي الدين بن عربي الذي يقول “وتحسب أنك جرمٌ صغير/ وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ”.
لكن إنسان اليوم لم يعد يريد ذلك، فقد انطوى فينا العالم الأكبرُ بما فيه الكفاية. وحملنا أعباء هائلة دون أن ندري. عنيتُ الأعباء المعلوماتية؛ مليارات التفاصيل التي التقطتها آلات الوعي لدينا.
فكرة تخفف العقل من كل تلك الأعباء رياضة صحية بحد ذاتها، تضاف إليها رياضة ترشيق الروح مما يعلق بها من ضغائن وتوترات.
والحقيقة أنك إن أردت فعلا “أن تكون إنساناً” فعليك أن ترمي عنك تلك الأعباء كورق الشجر اليابس، وآن الأوان كي يتخلى الإنسان عن حلمه بأن يناطح الآلهة، ويعود ليدرك أنه مجرد جُرمٍ صغير يسبح في فلك لا نهاية له.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث