ardanlendeelitkufaruessvtr

لقاء في تونس

بقلم حميد سعيد نيسان/أبريل 14, 2018 391

لقاء في تونس
في وقت انتظاري هذا، اقترب مني فتى، ربما لم يتجاوز العاشرة من عمره إلا بسنتين أو ثلاث سنوات، وقدم نفسه بالقول “الشاعر….”، وأنا جد آسف على عدم تذكر اسمه، ومما لفت نظري فيه ثقته واعتداده بنفسه.
في الأسبوع الأخير من شهر مارس الماضي، كنت في تونس العاصمة للمشاركة في الدورة الأولى من أيام قرطاج الشعرية، ومنذ أولى مشاركاتي في المهرجانات الشعرية، سواء كانت عراقية أم عربية أم دولية، ظل أكثر ما يهمني فيها، اللقاءات التي تكون على هامش نشاطات هذه المهرجانات وما تحفل به من حوارات وتبادل خبرات، وما تتيحه من صداقات جديدة إلى جانب تجديد صداقات قديمة.
وفعلاً، فقد أتاحت لي كما تتيح لغيري من الصداقات ما يُعتزُ بها ومن التجارب ما لا يمكن التقليل من دوره الإنساني والمعرفي، وهكذا كانت أيام قرطاج الشعرية، إذْ استمعت فيها إلى تجارب إبداعية جديدة على قدر كبير من الأهمية والتقيت بأصدقاء تونسيين وعرب، أعتز بهم وأقدرهم، غير أن الظروف العامة والخاصة باعدت بيننا، فجمعتني بهم أيام قرطاج الشعرية.
غير أن المفاجأة الجميلة التي صادفتها خلال هذه الأيام، تمثلت في لقاء جميل من دون موعد، بل من دون أن أتوقعه وأفكر فيه، إذ كنت أنتظر في بهو فندق أفريقيا، قدوم الصديق الدكتور محمد البدوي، الرئيس السابق لاتحاد الكتاب التونسيين وكان قد هاتفني قبل وقت من هذا الموعد، ومما أسعدني حقاً، وأنا أعرف في حدود لا بأس بها تونس العاصمة، شوارعها وشواخصها ومعالمها وأهم مقاهيها، أن تكون إقامتنا في فندق أفريقيا في شارع الحبيب بورقيبة وهو من أهم الشوارع وأكثرها حيوية، ولو كانت إقامتنا في فندق آخر لتسللت كما كنت أفعل من قبل وأتوجه إلى أحد مقاهي هذا الشارع.
في وقت انتظاري هذا، اقترب مني فتى، ربما لم يتجاوز العاشرة من عمره إلا بسنتين أو ثلاث سنوات، وقدم نفسه بالقول “الشاعر….”، وأنا جد آسف على عدم تذكر اسمه، ومما لفت نظري فيه ثقته واعتداده بنفسه.
قلت له “أهلاً بك، تفضل”، فأجابني “شكراً، لقد تأخرت كثيراً، وبيتنا بعيد عن هنا”، وقدم لي كتاباً كان معه، وطلب مني أن أكتب له إهداء، غير أنني لاحظت أن هذا الكتاب ليس من كتبي، وإنما هو دراسة عن تجربتي الشعرية بقلم أحد النقاد العرب، فقلت له “لكن هذا الكتاب ليس كتابي، ولو أعطيتني عنوانك البريدي لبعثت لك أكثر من كتاب من كتبي”.
 لا أدري إن كان قد اقتنع بما قلت، غير أنه أخرج دفتراً وأفرد لي صفحة فيه، وقال “اكتب لي هنا”، ومن دون أن أسأله أو أناقشه كتبت في دفتره “إلى صديقي الشاعر….. أنا سعيد بلقائك، وكنت أتمنى أن تطلعني على شعرك، وآمل أن نتواصل وأن نلتقي، مع احترامي وتقديري”.
وإذ تهيأ للمغادرة، وقفت له وصافحته بحرارة، وتمنيت لو تعرفت عليه، أكثر مما أتاحت لي الدقائق التي التقينا خلالها أن أعرفه.
ها أنذا أعود إلى عمّان، حيث أقيم، ولم تفارقني دهشة ذلك اللقاء العابر، مع فتى في عمر أحفادي، وها أنذا أكتب عن ذلك اللقاء الذي كاد ينسيني الكثير مما عشت من ذكريات خلال الأيام التونسية الجميلة في كل شيء.
وإذ فاتني أن أطلب منه عنوانه، أو أن أسجل اسمه الذي نسيته، أجدني نادماً على ذلك، وأتساءل، كيف هو شعره، وهل سيواصل كتابة الشعر؟ وهل سيكون اسماً مهماً في مدونة الشعر العربي المعاصر؟
وهل سيجد في عائلته أو في مدرسته أو في محيطه الاجتماعي من يقدر موهبته ويشجعه ويفتح الطريق أمام موهبته؟ وأنا أعرف أن المواهب مثل البذور، تنمو وتزدهر بالرعاية، ولكن البذرة القوية المعافاة لا تموت في جميع الأحوال، وتبقى أقرب إلى الحياة وعطائها وعنفوانها.

قيم الموضوع
(0 أصوات)