ardanlendeelitkufaruessvtr

أنغام.. صوت يستدعي الوجع

بقلم رابعة الختام نيسان/أبريل 16, 2018 184

أنغام.. صوت يستدعي الوجع
أنغام وجعت النساء بصوتها فخرجت من عباءة الصوت التطريبي إلى صوت يكتب حالة القهر المدفون تحت رماد ادعاءت كاذبة باستكمال الحياة حفاظا على الأبناء وكيان الأسرة.
حنجرة خرجت من نطاق الغناء لتأريخ حرقة نسوية
“أنا عايزة نفسي حتى لو كل الباقي منها صوت، أنا لو هكمل عمري بك من غير ما يجي الموت هموت” في هذه الجملة تحديدا لا تغني المطربة المصرية المتفردة أنغام محمد علي مجرد كلمات رائعة كتبها لها الشاعر بهاءالدين محمد، ولم يتعد التزامها بألحان إيهاب عبدالواحد مجرد مطربة كما يعتقد البعض، بل أثارت شجون كل امرأة ذاقت وجع المشاعر.
نعم، وجع تعجز الكلمات عن وصفه، ولا يجبر هذا العجز سوى صوت نسائي مشحون بالإحساس مثل أنغام، “ممكن تسيبني اشتري عمري اللي باقي.. قول بكام، مش عايزه أعيشه معاك علشان لو عشته كل جراح حرام” تنساب دموعنا معها دون أن ندري، صوت يطبق على كل ما حوله، يلزم المستمعين بالصمت الاختياري ويدخلهم في الذكريات، يستدعي التنهيدة والآلام، تحبس أنفاسك حين تتسلط دائرة الضوء عليها لتبدو كملكة فرعونية تقف في شموخ دون تكبر، أعادت النساء لفتح دفاتر الحسابات، وطرحت عليهن عدة تساؤلات بمدى الإختيار الجيد لشريك الحياة، وهل أسأن في حق أنفسهن؟ حالة خاصة نادرا ما يدفعك إليها أحد، صوت يدعوك للتماهي معه.
قمة نضوجها الفني والإنساني والنسوي تتجسد في كلمات أحد من نصل مشرط طبيب فجر جرحا متقيحا، أخرج ما فيه لينظف ما تبقى للحفاظ على حياة مريضه. وجعت النساء بصوتها فخرجت من عباءة الصوت التطريبي ـ مع كونها تطريبة بامتيازـ إلى صوت يكتب حالة القهر المدفون تحت رماد ادعاءت كاذبة باستكمال الحياة حفاظا على الأبناء وكيان الأسرة.
صوت أنغام في حرقة شدوها بكلمة “أعيش” وتطريبها الموجع جمع آلام كل نساء العالم الموجوعات بسوء معاملة الشريك في حنجرة خرجت من نطاق الغناء لتأريخ حرقة نسوية لا يقدرها غيرهن. مجرد إنسانة تطلب الحياة بكرامة، واحترام، تمنحك شعورا خفيا بكونها مترفعة عن كل المطالب التي تعقب موقف الانفصال، وتخرج إلى أفق أرحب بما يسمى “الانفصال الآمن” في جملتها “أعيش عمري الباقي باحترام” تتخطى الوجع أملا في العيش الهادئ لحياة تنتظرها النساء بعد الانفصال، بعدما فقدنها في أحضان الحبيب.
قرار الرجل بإنهاء العلاقة يشبه عطسة خفيفة لا ينتج عنها حتى رذاذ مؤذ لأنفه، بل هي راحة له من آلام الصداع النصفي، ولكن قرار المرأة بالخروج من العلاقات حتى علاقات الصداقة والجيرة العابرة موجع ومصيري إلى أبعد الحدود، بطبعهن كائنات تألف الآخر وتعتاد عليه بسهولة.
إنهاء المرأة لعلاقة حب والخروج منها بمجرد شبح ابتسامة مرسومة بعفوية، لملمة ما تبقى منها فقط لتستنشق هواء نقيا لم يلوثه الرجل بأنفاسه المتهدجة في ساحات الفحولة، أشبه بجراحات القلب المفتوح، خطيرة، دقيقة، ومكلفة بما يفوق طاقة البشر، لذا لا تتخذ قرار إنهاء العلاقة إلا إذا سدت أمام قلبها كل الطرق والأنفاق ولم يبق للقلب المهلهل سوى الارتطام بحوائط المجتمع مع قسوتها وغلظتها.
أغانيها دعوة لكشف الحقيقة خلف المستتر من تصرفاتنا في العلن، ففي أغنيتها “عرفها بي”، تطرح بصوتها تساؤلات عديدة لا يمكن غض البصر عنها في علاقة الرجل بالحبيبة الإضافية أو سر تواجد المرأة الاحتياطية كإطار السيارة الذي يحرص على اقتنائه دائما، فيما إذا كانت تلك الحبيبة هي الضحية في علاقة لا تعلم الكثير من التفاصيل الخفية من حياة حبيبها السابقة الذي ربما يكون زوجا وأبا.
تصالحت بعض النساء مع حبيبة حبيبها أو عشيقة زوجها في طرح افتراضيات مغايرة للنمطية المعتادة وفكرت للمرة الأولى بأنها من الممكن أن تتشابه معها في المظلومية، وقد تنضم لطابور ضحايا الرجل. وأتساءل، من يمكنه إيصال تلك الدلالات والإشارات غير حنجرة وإحساس أنغام؟
يحتاج صوتها لدراسة جديدة ربما تكشف عن زوايا أخرى، ويحتاج إحساسها لدراسات عديدة يدفعني لطرحها على مخرجي الدراما لتفجير طاقات إبداعية غير مكتشفة فيها حتى الآن، كأرض خصبة تحمل بكراتها الكثير، بعيدا عن أصحاب الوجوه الثلجية والملامح الباردة الذين تكتظ بهم وبهن الشاشات.
تبقى أنغام مطربة من طراز فريد، تغني بكيانها الشامل، صوت وقلب، عقل وروح، ذراعاها وانحناءة نصف جسدها العلوي دون ابتذال، تعبيرات وجه تجسد إحساسا راقيا يخرج مع كل كلمة حتى تشعرك بأنها هي، وكأنما عاشت تجارب حية تجسدها بحنجرتها الذهبية النفيسة، إذا كانت هناك تصنيفات في الغناء بين طربي وشبابي، شعبي ورومانسي، وطني، فإن هناك تصنيفا جديدا أدعو النقاد والمهتمين بالفن لإضافته وهو “الغناء النسوي” الناطق الفعلي والناقل الأمين لأوجاع النساء. وتتربع أنغام على عرشه.
كاتبة من مصر

قيم الموضوع
(0 أصوات)