ardanlendeelitkufaruessvtr

بسطيات وأكشاك ومولات سياسية

بقلم أ.د. عبد الكاظم العبودي أيار 11, 2016 188


بسطيات وأكشاك ومولات سياسية : أ.د. عبد الكاظم العبودي
ومقاولات بالتجزئة والمفرد
مدخل من دراسة حول البازارات السياسية في العراق
أ.د. عبد الكاظم العبودي
الأمين العام للجبهة الوطنية والقومية والإسلامية في العراق
في سبعينيات القرن الماضي اكتشفت الأنظمة العربية، النفطية منها والثورية، وحلفائها من السوفييت والأمريكان ، كل لجهته في أيام الحرب الباردة ، ظاهرة الاستثمار في توفير المال السياسي، لغرض إزعاج بعضها البعض، فاستغلت ظاهرة وجود عدد من المعارضات العربية ولجوئها إلى عواصم عربية وأجنبية في التجنيد الأمني والسياسي لأغراض سياسوية، فعملت على زرع الدكاكين السياسية وشخوصها ودعمها بكل الوسائل المالية والسياسية والإعلامية.
وقد أدرك الجميع، بعد محصلة التجارب المرة والقاسية التي مر بها العمل السياسي الوطني والقومي، إن كل مجموعة من الأشخاص أو أي فصيل أو حزب سياسي أو جماعة تعرض نفسها في ساحات العمل السياسي المعارض لنظام بلدها وترهن نفسها للدعم المالي الخارجي بشروط معينة، ستجد نفسها متحولة تدريجيا من ساحة النضال الوطني على ارض الوطن إلى حالة التسكع في صالات المستثمرين لها في أروقة الدول الأجنبية في هذا البلد أو ذاك ، وتصبح في النهاية مجرد دكان سياسي فاقد لشرعيته ومصداقية شعاراته التي كان يرفعها.
وقد عرف الكثيرون ، ممن عملوا في الجانب السياسي، تهكما وسخرية مريرة لمثل تلك الحالات، كنا ولا زلنا نسمعها، في حالة ظهور ما يسمى بالأكشاك والدكاكين السياسية، التي غالبا ما يتصدرها أشخاص فاشلون أو مفلسون سياسيا أو تقودها مجموعات منعزلة عن ساحات نضال أوطانها وشعوبها، فيظهر هؤلاء وكأنهم شُطّار في "البزنز" السياسي على كل الأصعدة، وغالبا فهم يعملون وكلاء أو وسطاء أو حتى سماسرة وموظفون بارتزاق لا يخفى لدى أجهزة دول معينة. وهم يتعاملون مع مخابراتها لاختراق تنظيمات أبناء جلدتهم وتخريب العلاقات الوطنية والمتاجرة في الشعارات وإجهاض أي مشروع ثوري منتظر للتغيير؛ خاصة عندما يتجندون لخلق الانشقاقات وتسعير الخلافات وتكريس التخندق تحت هذا العنوان أو ذاك وشق الصفوف الوطنية داخل وخارج الوطن.
وللأسف تتكرر مثل هذه الظاهرة الرذيلة حتى اليوم، عندما يجد أمثال هؤلاء المرتزقة بالعمل السياسي مكانا لهم ، وحينما يقبل الآخرون التعاون معهم أو بالتقرب منهم ، سواء بحسن النية أو لأغراض ميكافيلية أو مصلحية أو ظرفية، أو بحكم الحاجة بالتقرب عبرهم إلى نظام سياسي ما أو بنية جمع مجموعات منهم وزجهم في أطر معينة من العمل السياسي والتعبوي، وغالبا ما يتم ذلك في صيغة تكوين جبهات أو تكتلات سياسية بعناوين معينة في ظروف مرحلية تحتم مثل ذلك التقارب.
ظواهر تشكيل هذه الدكاكين السياسية وتصدر المقاولين بها بات حرفة تجارية وظاهرة عربية مريبة تخترق اغلب تنظيمات العمل السياسي في الوطن العربي، ويتحمل أصحاب المال السياسي والحكومات العربية والأجنبية الداعمة لهم المسؤولية الكاملة لما يجري في الوطن العربي من مآسي وخراب شامل، عندما تحاول مثل هذه المجموعات فرض نفسها في تصدر العمل أو المشهد السياسي أو توجيهه، بحكم امتلاكها المال والتسهيلات والاعلام والصرف الباذخ على المؤتمرات الداعمة لمثل تلك التوجهات، التي باتت تكشف عن أهداف مريبة ومشبوهة في الكثير من حالاتها.
ولعل كوارث عرقلة انجاز وحدة العمل الفلسطيني على مدى أربعة عقود الناجمة عن تدخل الأنظمة العربية وغيرها ،وفرض دكاكينها السياسية ووكلائها وزرعهم في جسد منظمة التحرير الفلسطينية، بسبب الحاجة للدعم المالي للمنظمة، وهو السبب الرئيسي لما يعانيه الوضع الفلسطيني، وبات مصدر ضعف وهزال لمنظمة التحرير وتراجعها في انجاز مهماتها في تحرير الأرض والإنسان، بسبب تلك المساومات الجارية فيها من هنا وهناك، فتكرست عوامل الفرقة بسبب اقتسام المساعدات والأموال الداعمة، وفرض المحاصصة وغيرها من الأمور التي أساءت إلى النضال الوطني والفلسطيني.
وفي العراق عرفت تكتلات المعارضات العراقية بشتى عناوينها ، منذ أكثر من أربعة عقود مثل هذه الظواهر السلبية ، بارتهان القرار السياسي المستقل لتلك التنظيمات وارتباطه بموافقة دول عربية وإقليمية، وحتى مخابرات لدول أجنبية. كانت الدكاكين السياسية في تلك الجبهات والتكتلات تفعل فعلها الموكول لها، وتفرض تنفيذه بقوة تأثير المال السياسي المستثمر القادم بوساطتها من هنا وهناك.
ولعل وضع أطراف كثيرة من المعارضة العراقية في لندن التي خدمت مخططات الغزو والاحتلال ونفذتها فعلا، وبما تشَّكَل فيها من مجموعات مشبوهة متكتلة بعناوين مثل جماعة المؤتمر والوفاق وآخرين، أفرزت ظهور وكلاء وقادة لهم من الطراز الأول مثل احمد ألجلبي وإياد علاوي وغيرهم، أدت بالنتيجة المحتومة إلى افظع الكوارث الوطنية، بعد الغزو الأمريكي 2003 حينما تحولت تلك الدكاكين إلى "مولات" و "سوبر ماركات" سياسية وظهرت بعناوين لأحزاب وتحالفات وتكتلات سياسية تحكمت في البلاد بعد الغزو الأمريكي للعراق، وهي التي قادت إلى الكارثة والمأساة الوطنية التي يعيشها العراق اليوم.
إن الخراب السياسي والأخلاقي في مجال هذه تكريس هذه الظاهرة السلبية لم ينته بوجود الاحتلال وتواصل حكوماته المتتابعة بكل فشلها الذريع، فرغم تحكم عملائها في العراق، يلاحظ كذلك استمرار جملة من الظواهر السياسية والاجتماعية الخطيرة في أنشطة الدكاكين والمقاولين الجدد، نتحفظ الآن عن ذكر أسمائهم وعناوين واجهات بسطاتهم وأكشاكهم، وهم يوظفون المال السياسي المشبوه ، منه المعروف والمجهول مصدره، في تخريب كل عمل وطني داعم للمقاومة العراقية أو إضعاف جهاد وكفاح القوى الوطنية والقومية الفاعلة ضد الاحتلال وحكومات العملاء من خلال محاولات الاستثمار من جديد في العمل السياسي المعارض تحت عناوين وأسماء جديدة وقديمة تسعى لاختراق قوى المقاومة وجرها إلى المساومات أو محاولات فرض الخضوع للأمر الواقع، الذي تمليه سياسات ومطالب دول عربية وأجنبية معينة، توظف هؤلاء المرتزقة، وتريد جر واحتواء قوى المقاومة العراقية إلى الخندق المطلوب منها كما يريد الأعداء والخصوم، وبما تمليه عليها مخططات الدول الكبرى أو الإقليمية من خلال محاولات تَصَّدر تلك الدكاكين السياسية وشخوصها واجهة الأنشطة السياسية الجارية في العراق لحرف المسار الثوري لأحرار العراق بهدف التغير الجذري المنشود بعد سقوط العملية السياسية برمتها.
إن ما يجري اليوم من تصاعد وتسارع محموم على عقد المؤتمرات في أكثر من عاصمة عربية وأجنبية وإعلان المبادرات المنفردة بشتى العناوين والمسميات من هذه الدكاكين ووكلائها ومروجيها بات أمرا يتطلب التشخيص والمراجعة والعلاج، وهي حالة مرضية لا تخفى على أحد من أبناء شعبنا، خصوصا، عندما تعمق وعي وتجربة القوى الوطنية والقومية والإسلامية، وهي التي تتمسك بجذور حضورها في تربة العراق عميقا، وارتباطها الوثيق مع جميع أوصال المجتمع العراقي، وهي التي تقود المقاومة والمعارضة السياسية الحقيقية لمشاريع الاحتلال ومخططات عملائه.
يخطأ من يظن إن ظاهرة المتاجرة من خلال الدكاكين والأكشاك السياسية المشبوهة سوف تتمكن من تأميم ومصادرة الدور التاريخي لأحرار العراق وثواره وحقهم في قيادة النضال الوطني والقومي صوب بوابة التحرير ببغداد المنصورة لإنقاذ شعب العراق من المصير الذي جرته إليه مساهمات وأدوار تلك الدكاكين السياسية وشخوصها المعروفة سابقا ولاحقا.
وان غدا لناظره قريب.

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)